الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونستغفِرُهُ ونستَرْشِدُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مَثِيلَ لَهُ مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبالكَ فاللهُ بِخِلافِ ذلكَ وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وأشهدُ أَنَّ سیدَنا وحبيبَنا وقائِدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا محمدًا عَبْدُ اللهِ ورسولُه وصفيُّهُ وحبيبُه وخَلِيلُهُ أَرْسَلَهُ اللهُ بالهدَی وَدِينِ الحَقِّ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا ونذيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللهِ بإذنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا فَهَدَى اللهُ بهِ الأمةَ وكشفَ بهِ الغُمَّةَ وأخرَجَ بهِ الناسَ مِنَ الظُلُمَاتِ إلَى النُّورِ فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ. اللهمَّ صلِّ على سيدِنا محمدٍ وعلَى ءالِه وصحبِه الطيبينَ الطاهرينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بإِحسانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، أما بعدُ عبادَ اللهِ فَأُوصِي نَفْسِي وإياكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ فاتقوا اللهَ رَبَّكمُ الذي قالَ في كتابِه الكريمِ في سورةِ سبأ {وَقَلِيلٌ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣}.
وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسُ كَإِبِلٍ مِّائةٍ، لَا تَكادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً اهـ رواهُ مُسْلِمٌ.
إنَّ الناظرَ في أَحْوَالِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِ البِلادِ وَتَنَوُّعِ الأُمَمِ وَالشُّعوبِ يَرَى أَنَّ البَشَرَ لَيسُوا سواءً، فَلِلنَّاسِ أَهْوَاءٌ شَتَّى وَءَارَاءٌ مُتَبَايِنَةٌ وَمَذَاهِبُ مُتَفَرِّقَةٌ، فمنهمُ المؤمنُ ومنهمُ الكافرُ ومنهِمُ الصالحُ ومنهمُ الطَّالِحُ، ولكلِّ قومٍ عادَاتُهم وتَقَاليدُهُمْ، وقليلٌ مِنْهُمْ مَنْ يَشْكُرُ اللهَ الذِي تَفَضَّلَ عليهِمْ بالنِّعَمِ الكثيرةِ حَقَّ الشُّكْرِ، ومِصْدَاقُ هذَا في قولِه تعالَى في سورةِ غافر {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١}.
بَلْ أَكْثَرُ الناسِ لَا يَعْرِفُونَ حقيقةَ الشُّكْرِ ومَا هُوَ الوَاجِبُ عليهِمْ مِنْ ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ.
فَحَرِيٌّ بِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلْحَقِّ وأَنارَ قَلبَه بالهُدى أن يكونَ شاكرًا لربِّ العالمين.
ولْيُعْلَمْ أَنَّ الشُّكْرَ شُكْرانِ، شُكرٌ فرضٌ وشكرٌ مُسْتَحَبٌ، فالشكرُ الفرضُ هو عدَمُ استِعْمالِ النِّعمِ التي مَنَّ اللهُ بها عليكَ كالجَوارِحِ أي أَعْضَاءِ الجِسمِ والمالِ في مَعْصِيَةِ اللهِ، فَشُكرُ اللهِ على نِعْمَةِ النُّطقِ أن لا تتكلَّمَ بِما حرَّمَ اللهُ، وشكرُ اللهِ علَى نِعمةِ السمعِ أنْ لا تَستَمِعَ إلى ما حَرَّمَ اللهُ، وشكرُ اللهِ على نعمةِ البصرِ أن لا تَنْظُرَ إلَى ما حرمَ اللهُ، وهكذَا بالنسبةِ لِسائرِ الجَوارحِ، وشُكرُ اللهِ على نعمةِ المالِ أن لا تُنْفِقَهُ في الحرامِ. وهذا يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَلَّمَ معاصيَ الجوارِحِ لِتَعْرِفَ ما الذِي يَحرُمُ عليكَ اقْتِرَافُهُ فتجتنَّبه، وأَنْ تتعَلَّمَ ما تحتَاجُ إليهِ منْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ لِيَصِحَّ لكَ الكَسْبُ مِنْ طَريقٍ حَلالٍ.
وأما الشُّكرُ المستحَبُّ فهو الثناءُ باللِّسانِ الدَّالُّ على أنَّ اللهَ هوَ الْمُنْعِمُ وَالْمُتَفَضِّلُ على عِبادِه مِنْ غَيرِ وُجوبٍ عليهِ فإنَّ اللهَ لا يَجِبُ عليهِ شَىْءٌ، قالَ تعالى في سورةِ النحل {وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجأَرُونَ ٥٣}.
وَمِنَ الناسِ مَنْ هو فَاقِدٌ لِلشُّكْرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ لَهُ مِنَ الشكرِ شىءٌ بالمرَّةِ ومنهُمْ مَنْ هُوَ مُخِلٌّ بالشُّكرِ فَلا يأتِي بهِ علَى الوَجهِ الكامِلِ، فَمِنَ القِسمِ الأَوَّلِ مَنْ يَتَكَبَّرُ عَنْ قَبولِ الهُدَى فَلا يُؤمنُ بِاللهِ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخرِ، فيعتَقِدُ الكُفْرَ ويرفُضُ التوحيدَ ويأتِي الحرَامَ وَلَا يَرَى فيهِ بَأْسًا فَلا يُوافِقُ على تَحريمِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَلَا يَدِينُ للهِ بِالحَقِّ، تَرَاهُ جَبَّارًا عَنِيدًا لا يَرُدُّهُ عَنْ غَيِّهِ دِينٌ وَلَا يَرْدَعُهُ عَنْ ظُلْمِهِ شَرْعٌ، وهؤلاءِ مَا تَحقَّقَ لهم مِنْ شُكْرِ اللهِ تعالى شَىءٌ، لأَنَّهُمْ ضيَّعُوا أَصْلَ الوَاجِبَاتِ وأفضَلَها وَهُوَ الإِيمانُ الذِي جَعَلَهُ اللهُ شرطًا لِقَبولِ الأعمالِ الصالحةِ، وحيثُ أَهْمَلَ بعضُ الناسِ هذَا الأَصْلَ كانَ عَمَلُهُمْ بعدَ ذلكَ بِلَا طَائِلٍ وَيَصْدُقُ عليهِمْ قَوْلُ اللهِ تعالى في سورةِ الفُرْقَان {وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٍ فَجَعَلۡنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا ٢٣}.
وقدْ مدحَ اللهُ تعالَى نبيَّهُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ فقالَ في سورةِ النحل { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ }. قالَ الطبَرِيُّ في تَفْسيرِهِ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ، كانَ يُخْلِصُ الشكرَ للهِ فيمَا أَنْعَمَ عليهِ وَلَا يَجْعَلُ مَعَهُ في شُكرِهِ في نعمِهِ علَيْهِ شَرِيكًا اهـ
ومنَ القِسمِ الثاني مَنْ تَحقَّقَ الإيمانُ في نفسِهِ بِلا رَيْبٍ ولكنَّه معَ ذلكَ يَقْتَرِفُ الذُّنوبَ معَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهَا وَشَنَاعَتِها، أو يَتْرُكُ بعضَ الفَرائِضِ العَمَلِيَّةِ كالصَّلاةِ وغيرِها معَ اعْتِقَادِ وُجُوبِها وَالاعْتِرَافِ بِتَقْصِيرِه، وفِي هذَا إِخْلَالٌ بِالشُّكرِ الوَاجِبِ للهِ وتَرْكٌ لِلْقِيَامِ بِه علَى وَجْهِهِ الكامِلِ وهذَا الصِّنْفُ مِنَ النَّاسِ تحتَ مشيئةِ اللهِ وأَمْرُهُمْ في الآخِرَةِ إلى اللهِ يُعَذِّبُ منهمْ منْ يشاءُ ويغفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، ومَآلُ الْمُعَذَّبِ مِنْهُمْ ءاخِرَ الأَمْرِ الجنةُ لأنَّ الحقَّ عدَمُ التَّكْفيرِ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ معَ اسْتِقْرَارِ الإِيمانِ بِالقَلْبِ، قالَ اللهُ تعالَى في سُورَةِ النِّساءِ {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ}.
وعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم قالَ وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ وفِي قلبِه وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ اهـ رواهُ البُخَارِيُّ.
وإذا كانتِ الْمُروءَةُ تَقْتَضِي أَنْ تُقابِلَ مَنْ أَحْسَنَ إليكَ مِنَ الخَلْقِ بِالإِحْسانِ والشكرِ فإِنَّ الأَوْلى أَنْ تَشْكُرَ رَبَّكَ علَى مَا أَوْلاكَ مِنَ النَّعْمَاءِ. وَقَدْ سُئِلَ الإمامُ الجُنَيْدُ مَا الشُّكرُ أي الواجِبُ فَقالَ أَنْ لَا يُعْصَى اللهُ بِنِعَمِهِ اهـ فعلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ شَاكِرًا لِرَبِّه الشكرَ الواجبَ في كُلِّ أحوالِه فلا يقصر في أَدَاءِ ما أَوْجَبَهُ اللهُ عليهِ ولا في تَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، فمَنْ أَدَّى الواجباتِ واجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ فَهُوَ عَبْدٌ شَاكرٌ، ثم إذَا لَمْ يَتَشَاغَلِ العَبْدُ بِالنِّعَمِ عَنِ الْمُنْعِمِ وَأَدْرَكَ عَظِيمَ مَا يَكْتَنِفُهُ مِنْ نِعَمِ اللهِ وتَمَكَّنَ في ذلكَ وَزَادَ في الخَيْرَاتِ فَوْقَ مَا هُوَ فَرْضٌ عليهِ سُمِّيَ عَبْدًا شَكْورًا، والشَّكورُ أَقَلُّ وُجودًا مِنَ الشَّاكِرِ الذِي هُوَ دُونَهُ، قالَ اللهُ تعالى في سُورةِ سَبأ {وَقَلِيلٌ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣} فالأتقياءُ الأَنْقِيَاءُ الذينَ لَا يَحْمِلُهُمُ التَّشَاغُلُ بِالنِّعَمِ عَنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ نَزْرٌ يَسِيرٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ مَدَحَ اللهُ تعالى نَبِيَّهُ نُوحًا عليهِ السلامُ فقالَ في سورةِ الإسراء { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ٣} أَيْ كثيرَ الشُّكرِ وكانَ يحمَدُ اللهَ على كلِّ حَالٍ أَيْ فَكُونُوا شَاكِرينَ كمَا كانَ أَبُوكُمْ عليهِ السلامُ. وقد كانَ مِنْ شُكْرِ نُوحٍ عليهِ السلامُ أنهُ كانَ يَحْمَدُ اللهَ تعالَى في كلِّ أَحْوَالِهِ إذَا أَكَلَ وإِذَا شَرِبَ وَإِذَا لَبِسَ وإذا احْتَذَى (لَبِسَ حِذَاءً) وَإِذَا نَامَ وَإِذَا اسْتَيْقَظَ.
وفي حَديثِ مسلمٍ الذِي ذَكَرْتُهُ أوَّلَ الخُطْبَةِ الناسُ كَإِبِلٍ مِّائةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً اهـ إشارَةٌ إلَى أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَهْلُ نَقْصٍ، وأمَّا أَهْلُ الفَضْلِ الزَّاهِدُونَ في الدنيا الرَّاغِبُونَ في الآخرةِ القَائِمُونَ بِالشُّكرِ فعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ في الإبِلِ، أَيِ الوَاحِدَةِ منهَا الجَيِّدَةِ التي تصلُحُ لِلْحُمُولَةِ في السَّفَرِ {وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠}.
هذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.


