رسالة في بطلان دعوى أولية النور المحمدي

 

لخادم علم الحديث الشريف

الشيخ عبد الله الهرري

غفر الله له ولوالديه

 

ملتزم الطبع

دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة الأولى

1422هـ – 2001ر

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة الناشر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي محمد المبعوث رحمة للعالمين.

وبعد فقد جرت عادة العلماء العاملين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملاً بالقرءان الكريم وبحديث رسول الله الأمين صلى الله عليه وسلم، ومن هذا قام الشيخ العلامة المحدث عبد الله الهرري بهذا الواجب فألف هذه الرسالة أبطل فيها دعوى بعض الناس أن نور محمد صلى الله عليه وسلم هو أول خلق الله على الإطلاق، وذلك بالأدلة النقلية والعقلية، فجزاه الله خيرًا، فأحببنا نشرها تعميمًا للفائدة، والله المستعان.

قسم الأبحاث والدراسات الإسلامية

 ترجمة موجزة للمؤلف

اسمه ومولده:

هو العالم العلامة الجليل الفهامة، قدوة المحققين وعمدة المدققين و صدر العلماء العاملين، الإمام المحدث،الفقيه اللغوي الأصولي, التقي الزاهد الفاضل العابد، صاحب المواهب الجليلة، الشيخ أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن جامع الهرري [1] الشيبي [2] العبدري [3] مفتي هرر.

ولد في مدينة هرر، حوالي سنة 1339هـ، 1920ر.

 نشأته ورحلاته:

نشأ في بيت متواضع محبًا للعلم ولأهله, فحفظ القرءان الكريم استظهارًا وترتيلاً وإتقانًا وهو ابن سبع سنين، وأقرأه والده كتاب المقدمة الحضرمية، وكتاب المختصر الصغير في الفقه وهو كتاب مشهور في بلاده، و عكف على الاغتراف من بحور العلم فحفظ عددًا من المتون في مختلف العلوم، ثم أولى علم الحديث اهتمامه فحفظ الكتب الستة وغيرها بأسانيدها حتى إنه أجيز بالفتوى ورواية الحديث وهو دون الثامنة عشرة.

أخذ الفقه الشافعي وأصوله والنحو عن العالم النحرير الشيخ محمد عبد السلام الهرري، والشيخ محمد عمر جامع الهرري، والشيخ محمد رشاد الحبشي، والشيخ إبراهيم أبي الغيث الهرري، والشيخ يونس الحبشي، والشيخ محمد سراج الجبرتي مفتي الحبشة، كشرح كألفية الزبد والتنبيه والمنهاج وألفية ابن مالك واللمع للشيرازي وغير ذلك من الأمهات.

وأخذ علوم العربية بخصوص عن الشيخ الصالح أحمد البصير، والشيخ أحمد بن محمد الحبشي وغيرهما. وقرأ فقه المذاهب الثلاثة وأصولها على الشيخ محمد العربي الفاسي، والشيخ عبد الرحمن الحبشي.

وأخذ علم التفسير عن الشيخ شريف الحبشي في بلده جِمّه.

وأخذ الحديث وعلومه عن كثير من أجلّهم الشيخ أبو بكر محمد سراج الجبرتي مفتي الحبشة، والشيخ عبد الرحمن الحبشي وغيرهما.

واجتمع بالشيخ الصالح المحدث القارئ أحمد عبد المطلب الجبرتي الحبشي، شيخ القراء في المسجد الحرام [4]، فأخذ عنه القراءات الأربع عشرة واستزاد منه في علم الحديث، فقرأ عليه وحصل منه على إجازة، ثم قرأ على الشيخ داود الجبرتي القارئ، و الشيخ المقرئ محمود فايز الديرعطاني نزيل دمشق وجامع القراءات السبع وذلك لمِّا سكن صاحب الترجمة دمشق.

وأمَّ مكة فتعرف على علمائها كالشيخ  السيّد علوي المالكي رحمه الله، والشيخ أمين الكتبي، وحضر على الشيخ محمد العربي التبان، واتصل بالشيخ عبد الغفور الأفغاني النقشبندي فأخذ منه الطريقة النقشبندية.

ورحل بعدها إلى المدينة المنورة واتصل بعلمائها فأخذ الحديث عن الشيخ المحدث محمد بن علي أعظم الصديقي البكري الهندي الحنفي وأجازه، ثم لازم مكتبة عارف حكمت والمكتبة المحمودية مطالعًا منقبًا بين الأسفار الخطية مغترفًا من مناهلها فبقي في المدينة مجاورًا سنة. واجتمع بالشيخ المحدث إبراهيم الختني تلميذ المحدث عبد القادر شلبي. أما إجازاته فأكثر من أن ندخل في عددها وأسماء المجيزين وما مع ذلك.

ثم رحل إلى بيت المقدس في أواخر العقد الخامس من هذا القرن ومنه توجه إلى دمشق فاستقبله أهلها بالترحاب لا سيما بعد وفاة محدثها الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله، فتنقل في بلاد الشام بين دمشق وبيروت وحمص وحماه وحلب وغيرها من المدن، ثم سكن في جامع القطاط في محلة القيمرية وأخذ صيته في الانتشار فتردد عليه مشايخ الشام وطلبتها وتعرف على علمائها واستفادوا منه وشهدوا له بالفضل وأقرُّوا بعلمه واشتهر في الديار الشامية: “بخليفة الشيخ بدر الدين الحسني” و”بمحدث الديار الشامية”.

وأخذ الإجازة في الطريقة الرفاعية من الشيخ عبد الرحمن السبسبي الحموي, والشيخ طاهر الكيالي الحمصي, والإجازة في الطريقة القادرية من الشيخ أحمد العربيني,والإجازة بالطريقة الشاذلية من الشيخ أحمد البصير, وغيرهم رحمهم الله تعالى.

قدم إلى بيروت سنة 1370هـ 1950ر فاستضافه كبار مشايخها أمثال الشيخ القاضي محيي الدين العجوز، والشيخ المستشار محمد الشريف، والشيخ عبد الوهاب البوتاري إمام جامع البسطا الفوقا، والشيخ أحمد اسكندراني إمام ومؤذن جامع برج أبي حيدر ولازموه واستفادوا منه، ثم اجتمع بالشيخ توفيق الهبري رحمه الله وعنده كان يجتمع بأعيان بيروت، وبالشيخ عبد الرحمن المجذوب، واستفادا منه، وبالشيخ مختار العلايلي رحمه الله، أمين الفتوى السابق الذي أقر بفضله وسعة علمه وهيّأ له الإقامة على كفالة دار الفتوى في بيروت ليتنقل بين مساجدها مقيمًا الحلقات العلمية وذلك بإذن خطي منه.

وفي سنة 1389هـ- 1969ر، وبطلب من مدير الأزهر في لبنان ءانذاك ألقى محاضرة في التوحيد في طلاب الأزهر.

 تصانيفه وءاثاره:

شغله إصلاح عقائد الناس ومحاربة أهل الإلحاد وقمع فتن أهل البدع والأهواء عن التفرغ للتأليف والتصنيف، ورغم ذلك أعد ءاثارًا ومؤلفات قيّمة منها:

1- شرح ألفية السيوطي في مصطلح الحديث،

2- قصيدة في الاعتقاد تقع في ستين بيتًا تقريبًا،

3- الصراط المستقيم في التوحيد، طُبع.

4- الدليل القويم على الصراط المستقيم في التوحيد، طُبع.

5- مختصر عبد الله الهرري الكافل بعلم الدين الضروري على مذهب الإمام الشافعي، طُبع.

6- بغية الطالب بمعرفة العلم الديني الواجب، طُبع.

7- التعقب الحثيث على من طعن فيما صح من الحديث، طُبِع. ردّ فيه على الألباني وفنّد أقواله حتى قال عنه محدث الديار المغربية الشيخ عبد الله الغماري رحمه الله: “وهو رد جيد متقن”.

8- نصرة التعقب الحثيث على من طعن فيما صح من الحديث، طُبِع .

9- الروائح الزكية في مولد خير البرية، طُبِع .

10- المطالب الوفية شرح العقيدة النسفية، طُبِع .

11- إظهار العقيدة السنية في شرح العقيدة الطحاوية، طُبِع .

12- شرح ألفية الزبد في الفقه الشافعي .

13- شرح متن أبي شجاع في الفقه الشافعي.

14- الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم، طُبِع .

15- شرح متن العشماوية في الفقه المالكي.

16- شرح متتمة الآجرومية في النحو.

17- شرح البيقونية في المصطلح.

18- صريح البيان في الرد على من خالف القرءان، طُبِع .

19- المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية، طُبِع .

20- الدر النضيد في أحكام التجويد، طُبِع .

21- شرح الصفات الثلاثة عشرة الواجبة لله، طُبِع .

22- العقيدة المنجية، وهي رسالة صغيرة أملاها في مجلس واحد، طُبِع .

23- شرح التنبيه للإمام الشيرازي في الفقه الشافعي.

24- شرح منهج الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري في الفقه الشافعي .

25- شرح كتاب سلّم التوفيق إلى محبة الله على التحقيق للشيخ عبد الله باعلوي.

26- شرح منظومة الصَّبَّان في العروض .

27- مختصر عبد الله الهرري الكافل بعلم الدين الضروري على مذهب الإمام مالك، طُبِع .

28- مختصر عبد الله الهرري الكافل بعلم الدين الضروري على مذهب الإمام أبي حنيفة، طُبِع .  29-الدرة البهية في حل ألفاظ العقيدة الطحاوية، طُبِع

30- الغارة الإيمانية في رد مفاسد التحريرية، طُبِع

31- رسالة في الرد على قول البعض إن الرسول يعلم كل شيء يعلمه الله, طُبِع .

32- رسالة في بطلان دعوى أولية النور المحمدي، وهي هذه الرسالة التي بين أيدينا.

 سلوكه وسيرته:

الشيخ عبد الله الهرري شديد الورع، متواضع، صاحب عبادة، كثير الذكر، يشتغل بالعلم والذكر معًا، زاهد طيّب السريرة، لا تكاد تجد له لحظة إلا وهو يشغلها بقرءاة أو ذكر أو تدريس أو وعظ وإرشاد، عارِف بالله، متمسك بالكتاب والسنة، حاضر الذهن قوي الحجة ساطع الدليل، حكيم يضع الأمور في مواضعها، شديد النكير على من خالف الشرع، ذو همة عالية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى هابه أهل البدع والضلال وحسدوه لكن الله يدافع عن الذين ءامنوا.

بسم الله الرحمن الرحيم

 طريق سهل لكسر الوهابية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وعلى ءاله الطاهرين، وصحابته الطيبين.

يقال لهم: أنتم دينكم جديد أنشأه محمد بن عبد الوهاب بدليل أن المسلمين ما كان أحد منهم يحرّم قول: “يا محمد” قبل ابن عبد الوهاب، حتى الذي محمد بن عبد الوهاب يسميه شيخ الإسلام وهو ابن تيمية يُقرُّ قول “يا محمد” عند الضيق لمن أصابه في رجله خدر، فهو يقول مطلوب أن يقول الذي أصابه خدرٌ في رجله –أي مرض في رجله تتعطل حركتها وليس هذا المسمى بالتنميل- “يا محمد” ويستدل بعبد الله بن عمر رضي الله عنه فإنه كان أصابه خدر في رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك فقال: “يا محمد” فتعافى.

ويقال للوهابية: ابن تيمية الذي تسمونه شيخ الإسلام أجاز هذا وأنتم تسمونه كفرًا؟! حتى ابن تيمية برئ منكم في هذه المسئلة، فكيف تدَّعون أنكم على دين الإسلام ولستم على دين الإسلام، وأنتم كفّرتم الامة، والأمة لم يكن فيهم خلاف في جواز قول “يا محمد” فأنتم أول من حرّم هذا، ومن كفر الأمة فهو الكافر لأن الأمة لا تزال على الإسلام فقد روى البخاري [1] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله“.

فإن قالوا: ابن تيمية ما قال هذا، يقال لهم: يشهدُ عليكم كتابه “الكلم الطيب” والعلماء الذين ترجموا لابن تيمية ذكروا هذا الكتاب في أسماء كتبه ومنهم صلاح الدين الصفدي وكان معاصرًا لابن تيمية ويتردد عليه فقد ذكر أن هذا الكتاب من تأليف ابن تيمية.

ثم زعيمكم الأخير الألباني اعترف وقال: هذا الكتاب ثابت لابن تيمية وعمل عليه تعليقًا لكنه قال: إن إسناد قول ابن عمر “يا محمد” لمّا خَدِرَت رجله ضعيف، وهذا لا يعكر علينا لأنه ثبت أن ابن تيمية أورده، وقال: “فصل في الرجل إذا خدرت” وسمى الكتاب “الكلم الطيب” [2]، ولو فُرض أن إسناده ضعيف لكن ثبت أن ابن تيمية أجاز هذا، فمن الذي يكفُرُ أهوَ الذي تسمونه شيخ الإسلام أم أنتم؟! لأنكم كفرتموه حُكمًا وإن لم تشعروا، هنا لا يتجرأون أن يقولوا ابن تيمية كافر ولا يقولون عن أنفسهم نحن كفار، نقول: إذن أنتم دينكم جديد، كفَّرتم المسلمين من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أيامنا، ومن حيث المعنى كفَّرتم زعيمكم ابن تيمية لأنه استحسن قول “يا محمد” عند خدر الرجل ومن استحسن الكفر فهو كافر، فهل لكم من جواب؟ هذه تكسر ظهورهم.

على أن قول الألباني ليس حجة لأنه ليس أهلاً للتضعيف والتصحيح لأنه محروم من الحفظ فهو ليس حافظًا باعترافه فلا يحفظ عشرة أحاديث بأسانيدها، فإنه قال عن نفسه: “أنا محدّث كتاب لست محدّث حفظ”.

ولو قال أحدهم: ابن تيمية رواه من طريق راو مختلف فيه يقال لهم: مجرد إيراده لهذا في هذا الكتاب دليل على أنه استحسنه إن فُرِض أنه يراه  صحيحاً وإن فُرِض أنه يراه غير صحيح، لأن الذي يورد الباطل في كتابه ولا يُحّذّرُ منه فهو داع إلى ذلك الشيء.

وهذه القصة رواها الحافظ ابن السُّني والبخاري في كتاب “الأدب المفرد” [3] بإسناد ءاخر غير إسناد ابن السني، ورواها الحافظ الكبير إبراهيم الحربي الذي كان يُشبَّه بالإمام أحمد بن حنبل في العلم والورع في كتابه “غريب الحديث” [4] بغير إسناد ابن السني أيضًا، ورواها الحافظ النووي [5]، والحافظ ابن الجزري في كتابه “الحصن الحصين” وكتابه “عِدة الحصن الحصين” [6]، ورواها الشوكاني [7] الذي هو يوافقكم في بعض الأشياء وهو غير مطعون فيه عندكم، فيا وهابية أين المفر، ويا لها من فضيحة عليكم وابن تيمية هو إمامكم الذي أخذ ابن عبد الوهاب بعض أفكاره التي خالف فيها المسلمين من كتبه.

فإن قلتم: نحن على صواب وابن تيمية استحل الشرك والكفر، قلنا: قد كفَّرتم ركنكم في عقيدة التشبيه وفي غيرِه من ضلالاته، وتكونون اعترفتم بأنكم متبعون لرجل كافر تحتجون بكلامه في كثير من عقائدكم، فقد اتبعتموه في قوله الذي كفر بسببه وهو قوله: إن كلام الله ومشيئته حادث الأفراد قديم النوع أي الجنس، وقوله: إن جنس العالم أزلي مع الله ليس مخلوقًا، في هذا الكفر هو ركنكم فقد تبعتموه وجعلتموه قدوة لكم فيما خالف فيه الحق وخالفتموه فيما وافق فيه الصواب وهو جواز الاستغاثة بالرسول عند الضيق بقول: “يا محمد”.

ثم إنكم كاذبون في دعوى السلفية، أيّ سلفي أنكر قول “يا محمد” عند الضيق؟ فتسميتكم أنفسكم بهذا الاسم حرام لأنها توهم أنكم على عقيدة السلف وأنتم لستم على عقيدة السلف ولا الخلف، أنتم تدينون دينًا جديدًا، لأن قول “يا محمد” للاستغاثة جائز عند السلف والخلف في حياة الرسول وبعده بالاتفاق، وإنما حُرّم نداؤه صلى الله عليه وسلم “يا محمد” في وجهه في حياته بعد نزول الآية {لا تجعلوا دعاءَ الرسول بينكم كدعاءِ بعضكم بعضًا} [سورة النور]، وكان سبب تحريم ذلك أن قومًا جفاة نادَوه من وراء حُجُراته: “يا محمد اخرج إلينا” فحرِّم الله تعالى ذلك في وجهه تشريفًا له.

وكان توسل الأعمى الذي طلب من الرسول أن يدعو له بالشفاء فعلَّمه الرسول أن يقول: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي عز وجل في حاجتي” خارجَ حضرة الرسول لأنه قال له: “ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات” [8] فذهب الرجل فتوضأ وصلى ركعتين ودعا بهذا التوسل ثم رجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أبصر، وهذا دعاء في غير حضرة الرسول في حياته عليه السلام، وأنتم قد تبعتم ابن تيمية فيما قاله في كتابه “التوسل والوسلية” إنه لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، لكن بهذه الاستغاثة التي استحسنها ابن تيمية والتي هي استغاثة به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته خالفتموه وجعلتم ذلك شركًا وكفرًا فما أتوَهَكم عن الحق.

ويقال أيضًا في الرد عليهم في قولهم بإثبات التحيز لله في العرش: الرجل إذا كان قائمًا المسافة من رأسه إلى العرش أقرب أم لو كان ساجدًا؟ فيقولون: أقرب إذا كان قائمًا فيقال لهم: أنتم جعلتم العرش حيزًا لله وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ينقُضُ عليكم ما زعمتموه فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [9]: “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء” وأنتم تقولون: “التأويل تعطيل” أي نفي لوجود الله وصفاته فعلى قولكم مِن مَنعِ التأويل انتقض عليكم معتقدكم، أما نحن أهل السنة نؤول قولَ الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [سورة طه] ونؤول كل ءاية أو حديث ظاهره أن الله متحيز في الجهة والمكان أو أن له أعضاء أو حدًا أو حركة وانتقالاً أو أي صفة من صفات الخلق تأويلاً إجماليًا أو تأويلاً تفصيليًا كما ثبت ذلك عن السلف وتبعهم الخلف، ونقول: ليس المراد ظواهرها بل المراد بها معان تليق بالله تعالى كما قال بعضهم: “بلا كيف ولا تشبيه”. ويعني أهلُ السنة بقولهم: “بلا كيف” أن هذه الآيات والأحاديث ليس المراد بها الجسمية ولوازمها، هذا مراد السلف والخلف من أهل السنة بقوله: “بلا كيف” ليس مرادهم كما تموّهون على الناس فتقولون لفظًا “بلا كيف” وتعتقدون الكيف.

وأما التأويل التفصيلي فقد ثبت عن السلف وإن كانوا لم يكثروا منه فقد ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل تأويل المجيء الذي ذُكر في هذه الآية: {وجاءَ ربُّكَ} [سورة الفجر] أنه قال [10]: “جاء ثوابه”، وروي عنه أنه قال: “جاء أمره” وأنتم قلتم: إن مجيء الله بالنزول الحسي بالانتقال من العرش إلى الأرض كما أن الملائكة ينزلون نزولاً حسيًا بالانتقال من أماكنهم العلوية إلى الأرض يوم القيامة، ولو كان الإمام أحمد يعتقد اعتقادكم ما أوَّل الآية بل أقرها على الظاهر كما أنتم تفسرون. وهذا التأويل من الإمام أحمد ثابت صححه البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد.

وكذلك ثبت عن السلف تفسير الساق المذكور في ءاية: {يومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [سورة القلم] بأن الساق هي الشدة الشديدة [11]، وأنتم جعلتم الساق عضوًا كما أن للإنسان عضو الساق، فأين أنتم من تنزيه الله عن مشابهة الخلق، فظهر أن انتسابكم إلى الإمام أحمد انتساب كاذب.

والبخاري ذكر في جامعه تأويلين لآيتين، أوَّل ءاية: {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وَجْهَهُ} [سورة القصص] أوَّل الوجه بالمُلك [12]، وكذلك ذكر سفيان الثوري في تفسيره [13]، والموضع الثاني الذي أوَّل البخاري فيه ءاية: {ءاخِذٌ بناصِيَتِها} أوَّلها بالمُلك والسلطان [14]، ما أوَّل كما أنتم تعتقدون بمعنى المس، وظاهر الآية أن الله يقبض بناصية كل دابة وهذا تشبيه لأنه لا يجوز على الله أن يَمَسَّ أو يُمَسَّ لأن المس من صفات الخلق.

أما حديث مسلم هذا فنؤوّله ونقول: القُرب في هذا الحديث لا يراد به القرب المسافي، وكذلك في كل حديث وءاية ظاهرُهُ أن الله متحيز في جهة فوق يؤول ولا يُحمل على الظاهر، فأين أنتم من قولكم: “التأويل تعطيل”، ومن قولكم: “التأويل إلحاد”.

ويقال لهم: حديث مسلم هذا إن لم تحملوه على الظاهر بل أوِّلتموه فقد ناقضتم أنفسكم فإنكم تقولون: “التأويل تعطيل” ثم تفعلونه فتؤولون.

بسم الله الرحمن الرحيم

من المفاسد التي انتشرت بين بعض العوام ما درج عليه بعض قُرَّاء المولد النبوي الشريف وبعض المؤذنين وغيرهم من قولهم: “إن محمدًا أوّل المخلوقات”، وما ذاك إلا لانتشار حديث جابر الموضوع بينهم وهو: “أوَّل ما خلق الله نور نبيك يا جابر” وفيما يلي نورد ردَّنا بالأدلة العقلية والنقلية الشافية:

نقول: هذا الحديث موضوع لا أصل له وهو مخالف للقرءان الكريم، وللحديث الصحيح الثابت.

أما مخالفته للقرءان  قال الله تعالى: {وجعلنا منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ} [سورة الأنبياء].

وأما مخالفته للحديث فقد روى البخاري [15] والبيهقي [16] من حديث عمران بن حصين أن أناسًا من أهل اليمن أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئناك يا رسول الله لنتفقه في الدين فأنبئنا عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض“، فهذا نص صريح في أنّ أول خلق الله الماء والعرش لأن أهل اليمن سألوه عن بدء العالم.

فقوله عليه الصلاة والسلام: كان الله ولم يكن شيء غيره إثبات الأزلية لله أي أنه تعالى لا ابتداء لوجوده، وقوله: وكان عرشه على الماء معناه أن هذين أول المخلوقات، أما الماء فعلى وجه الإطلاق وأما العرش فبالنسبة لما بعده كما أفاد ذلك قوله عليه السلام: “على الماء” وذلك يدل على تأخر العرش عن هذا الأصل.

وروى ابن حبان [17] وصححه من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: “كل شيء خلق من الماء“، وفي لفظ: أن الله تعالى خلق كل شيء من الماء“.

وروى السُّدي [18] في تفسيره بأسانيد متعددة عن جماعة من أبناء الصحابة: “إنّ الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء“.

ففي الحديث الأول، نصّ على أن الماء والعرش هما أوّل خلق الله، وأما أنّ الماء قبل العرش فهو مأخوذ من الحديثين التاليين.

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري [19] ما نصه: “قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شىء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله: “وكان عرشه على الماء” إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السموات والأرض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء” ا.هـ.

وفي تفسير عبد الرزاق [20] عن قَتادة في شرح قوله تعالى: {وكانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء} [سورة هود] ما نصه: “هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض”.

وأخرج ابن جرير [21] عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وكانَ عرشُهُ على الماء} [سورة هود] قال: “قبل أن يخلق شيئًا”.

فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أوّل ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء”؟، فالجواب: أنه يكفي في رد هذا الحديث كونه مخالفًا للأحاديث الثلاثة الصحيحة السابقة، وأما عزو هذا الحديث للبيهقي فغير صحيح إنما ينسب إلى مصنّف عبد الرزاق عكس هذا، فقد ذكر فيه أنّ أول الأشياء وجودًا الماء كما تقدم.

وقال الحافظ السيوطي [22] في الحاوي: “ليس له -أي حديث جابر- إسناد يُعتمد عليه” ا.هـ.

قلت: وهو حديث موضوع جزمًا، وقد صرّح الحافظ السيوطي في شرحه على الترمذي أن حديث أولية النور المحمدي لم يثبت.

وقد ذكر عصريّنا الشيخ عبد الله الغماري محدّث المغرب [23] أن عزو هذا الحديث الموضوع إلى مصنّف عبد الرزّاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنّفه، ولا جامعه ولا تفسيره، والأمر كما قال.

كما أن محدّث عصره الحافظ أحمد بن الصدّيق الغماري [24] حكم عليه بالوضع محتجًا بأنّ هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة.

قلت: والأمر كما قال، ولو لم يكن فيه إلا هذه العبارة: “خلقه الله من نوره قبل الأشياء” لكفى ذلك ركاكة، لأنه مشكل غاية الإشكال، لأنه إن حُمل ضمير من نوره على معنى نور مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى لأنه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الأول ليس نور محمّد بل نور محمّد ثاني المخلوقات، وإن حُمِلَ على إضافة الجزء للكل كان الأمر أفظعَ وأقبحَ لأنه يكون إثبات نور هو جزء لله تعالى، فيؤدي ذلك إلى أن الله مركب والقول بالتركيب في ذات الله من أبشع الكفر لأن فيه نسبة الحدوث إلى الله تعالى. وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردها الذوق السليم ولا يقبلها.

ثم هناك علّة أخرى وهي الاضطراب في ألفاظه، لأن بعض الذين أوردوه في مؤلفاتهم رووه بشكل وءاخرون رووه بشكل ءاخر، فإذا نُظِرَ إلى لفظ الزرقاني ثم لفظ الصاوي لوجد فرق كبير.

فالحديثان الأولان لا حاجة إلى تأويلهما لأجل حديث غير ثابت بل حديث موضوع لركاكته وهو حديث أولية النور.

فلا حاجة لما ذكره بعض من حمل حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر على الأولية المطلقة لغرض إثبات أولية النور المحمدي.

وأما حديث: “أوّل ما خلق الله العقل” فليس له طريق يثبت كما قال الحافظ ابن حجر [25]، ففي كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للحافظ محمد مرتضى الزبيدي [26] ما نصّه: “ثم قال العراقي: أما حديث عائشة فرواه أبو نعيم في الحلية [27] قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي بإفادة الدارقطني، عن سهل بن المرزبان بن محمد التميمي، عن عبد الله بن الزبير الحُميدي، عن ابن عُيينة، عن منصور، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أول ما خلق الله العقل” فذكر الحديث، هكذا أورده في ترجمة سفيان بن عيينة ولم أجد في إسناده أحدًا مذكورًا بالضعف، ولا شكّ أنّ هذا مركب على هذا الإسناد ولا أدري ممّن وقع ذلك، والحديث مُنكر. قلت: ولفظ حديث عائشة على ما في الحِلية قالت عائشة: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوّل ما خلق الله العقل، قال: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: ما خلقت شيئًا أحسن منك، بك ءاخذ وبك أعطي. قال أبو نعيم: غريب من حديث سفيان ومنصور والزهري لا أعلم له راويًا عن الحميدي إلا سهلاً، وأراه واهيًا فيه”. انتهت عبارة مرتضى الزبيدي.

وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء [28] بعد إيراده هذا الحديث ما نصه: “رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي أمامة، وأبو نعيم من حديث عائشة بإسنادين ضعيفين” انتهى كلام العراقي.

أما حديث أولية القلم قال الحافظ ابن حجر [29] في الجواب عنه ما نصه: “فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث: “أول ما خلق الله العقل”، فليس له طريق يثبت وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم” ا.هـ.

وأمّا قول ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية ونصه: “أما أولية القلم نسبية وأما أولية النور المحمدي فهي مطلقة”. ا.هـ، فهذا التأويل مخالف للحديث الصحيح، ومخالف للقاعدة الحديثية أن الضعيف إذا خالف الحديث الثابت فلا حاجة إلى التأويل، بل يعمل بالثابت ويترك الضعيف، وذلك مقرر في كتب المصطلح وفي كتب الأصول.

فإن قيل: أليس قال الرسولُ: “كنتُ أوّل النبيين في الخلق وءاخرهم في البعث”، وقال أيضًا: “كنت نبيًا وءادم بين الماء والطين”، و: “كنت نبيًا ولا ماء ولا طين”.

فالجواب: أن الحديث الأول ضعيف [30] كما نقل ذلك العلماء، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلّس، وسعيد بن بشير وهو ضعيف، ثم لو صح لم يكن فيه أنّه أوّل خلقِ الله وإنما فيه أنه أول الأنبياء، ومعلوم أن البشر أولهم ءادم الذي هو ءاخر الخلق باعتبار أجناس المخلوقات.

وأما الثاني والثالث فلا أصل لهما [31]، ولا حاجة لتأويل قول الله تعالى: {وجَعلنا من الماء كل شىءٍ حي} [سورة الأنبياء] والحديث الصحيح لخبر واهٍ ضعيف أو موضوع لا أصل له كما فعل ذلك بعض المتصوفة حيث أوَّل الآية بحديث جابر السابق الذكر وقال: إنّ للآية معنًى مجازيًا.

أما حديث ميسرة الفجر أنه قال: يا رسولَ الله متى كنت نبيًا، قال: كنت نبيًا وءادم بين الروح والجسد، فهو حديث صحيح رواه أحمد في مسنده [32]، وقال الحافظ الهيثمي [33] بعد عزوه لأحمد وللطبراني [34] أيضًا ما نصه: “ورجاله رجال الصحيح” ا.هـ.

وأمّا معناه فلا يدلّ على أوّليّته صلى الله عليه وسلم بالنسبة لجميع الخلق، وإنما يدل على أن الرسول كان مشهورًا بوصف الرسالة بين الملائكة في الوقتِ الذي لم يتم تكوُّنُ جسدِ ءادم بدخولِ الروح فيه.

وقد أخرج أحمد [35] والحاكم [36] والبيهقي [37] في الدلائل عن العِرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إني عند الله في أمّ الكتاب لخاتمُ النبيين، وإن ءادم لمنجدل في طينته“. قال البيهقي [38]: “قوله صلى الله عليه وسلم: “إني عبد الله وخاتم النبيّين وإن ءادم لمنجدل في طينته“، يريد به أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأول الأنبياء صلوات الله عليهم” ا.هـ.

ثم إن الأفضلية ليست الأسبقية في الوجود بل الأفضلية بتفضيل الله، فالله تعالى يفضّل ما شاء من خلقه على ما شاء، فالله تعالى جعل سيدنا محمدًا أفضل خلقه على الإطلاق وأكثرهم بركة.

 فائدة مهمة

سؤال موجه إلى هؤلاء القائلين بأن الرسولَ هو أول خلق الله، يقال لهم: ألستم تعتقدون أن إبليس خُلق قبل ءادم؟ فيقولون: بلى للنص الوارد في القرءان وهو قوله تعالى: {والجانَّ خلقناهُ من قبلُ من نارِ السَّمُوم} فيقال لهم: وهل سَبْقُ إبليس ءادم عليه السلام بالخلق يقتضي أفضليته؟ فلا شك أنهم لا يقولون إن ذلك يقتضي أفضلية إبليس فيقال لهم: لماذا تتشبثون بقولكم: “الرسول أول خلق الله” وأي طائل تحت قولكم هذا؟!.

أيضًا لا معنى لقول هؤلاء: إن الحديث الضعيف الإسناد إذا تلقته الأمة بالقبول فيكون صحيحًا لغيره كما ادعاه بعض من كتب في هذه المسألة من الهند وحديث أولية النور كذلك، فيقال لهم: هذا لا ينطبق على هذا الحديث الموضوع لأن مرادهم بالأمة المجتهدون، فاذكروا لنا أيّ إمام من الأئمة المجتهدين الأربعة وغيرهم قال بذلك، فإن كان عندكم نص فأظهروه، وهل تستطيعون أن تثبتوا ذلك عن أحد من أصحاب الأئمة الأربعة الذين تلقوا عن هؤلاء كل ما في الأمر أنكم وجدتم هذا الكلام الذي تقولونه من كلام بعض المتأخرين مثل الزرقاني وابن حجر الهيتمي والقسطلاني الذي هو من أهل القرن العاشر وأشباههم ومن جاء بعد هؤلاء مثل يوسف النبهاني الذي هو من أهل القرن الرابع عشر والعجلوني وأبي بكر الأشخر وأمثالهم، فكيف تدّعون أن هذا مما تلقته الأمة بالقبول؟!.

ومن سواهم ممن تحتجون بكلامهم متأخر عن ابن حجر الهيتمي.

إنما الذي ذكره العلماء في كتب الحديث أن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول يكون صحيحًا لغيره مثل حديث [39]: البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته“، وحديث [40] النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، هذان الحديثان أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين ومن تبعهم من الحفاظ والفقهاء الذين جاءوا بعدهم قالوا بصحة هذين الحديثين لان الأمة تلقتهما بالقبول، أي أنّ جميع المجتهدين عملوا بهما مع ضعف إسناديهما فأين ما تدعون من هذا؟!.

أما الحافظ ابن حجر العسقلاني فإنه لم يتعرض لما تقولونه بل صرح بما يُفهم من حديث: “كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء” بما دل عليه الحديث.

وأما عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف فهو متقدم، فالثابت عنه ما في تفسيره من أولية الماء والعرش، ثم من شأن عبد الرزاق في مؤلفاته أن يورد الحديث من غير أن يصححه، فكتابه المصنف والجامع لا يتعرض فيهما للحكم على الأحاديث التي يذكرها بقول “صحيح أو حسن أو ضعيف”، فلو ثبت أنّ حديث جابر ذكره في مصنفه فلم يصححه ولم يحسنه، فهل يقول ذو إلمام بعلم الحديث بأن مجرد ذكر المحدث لحديث في تأليفه أنه صحيح، لا يقول هذا من مارس علم الحديث دراية.

وقد ادعى بعض المتعصبين لحديث أولية النور أنه وجد نسخة من المصنف فيها ذكر هذا الحديث ولم يُعرف لها أثرٌ منذ نحو خمس عشرة سنة منذ قالها هذا الرجل.

فكيف ساغ لهم أن يحتجوا بحديث “أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر” الذي لم يصححه أحد من الحفاظ.

على أن ابن حجر الهيتمي لما أورده في كتابه “شرح الأربعين النووية” لم ينقل أنّ احدًا من الحفاظ صحح حديث أولية النور المحمدي إنما قال عن نفسه أنّ ما ارتضاه من قِبَلِ نفسه وحاول تقوية رأيه بتأويل حديث الترمذي: إن أول ما خلق الله تعالى القلم“، وهذا الحديث صححه الترمذي، لكن ابن حجر الهيتمي أوّل هذا الحديث فقال: “أولية القلم نسبية وأولية النور المحمدي حقيقية”، وكان الذي يليق به أن لا يتكلف هذا التأويل لأن تأويل النصوص الثابتة لا يصار إليه إلا لدليل عقلي أو نقلي ثابت وهنا لا يوجد واحد منهما.

وأما دعوى بعض الذين كتبوا في تأييد هذا الحديث أن السيوطي ما ضعفه إنما ضعف إسناده فلا ينافي ذلك ثبوته في نفسه من جهة أخرى، فالجواب: أن عبارته في قوت المغتذي تأبى ذلك لأن عبارته فيه وهذا نصها: “وأما حديثُ أولية النور المحمدي فلا يثبت” ا.هـ، فهذا حكم على الحديث بالضعف ولم يذكر الإسناد.

 قاعدة أصولية تؤيد ما ذكرنا

اتفق الأصوليون على أنَّ النص لا يُؤول إلا لدليل سمعي ثابت أو دليل عقلي قاطع فقالوا: لا يجوز تأويل النص لغير ذلك وإن ذلك عبث والنصوص تُصان عن العبث، ذكر ذلك كثير منهم كصاحب المحصول.

فبعد هذا يبطل تأويل المؤولين لحديث أولية الماء بأن أوليته نسبية لتأييد قولهم: إن أول ما خلق الله نور محمد.

أما تأويل حديث أولية القلم للتوفيق بينه وبين حديث أولية الماء فذلك حق وصواب لأن كلا الحديثين ثابت، وفي هذا مقنع للمتدبر المنصف.

ثم إن أحدهما أقوى من الآخر إسنادًا وهو حديث أولية الماء، فإن حديث أولية القلم دونه في القوة فسلكنا مسلك التأويل لحديث أولية القلم بأنها أولية نسبية وأن أولية الماء مطلقة جريًا على القاعدة: “إذا تعارض مقبولان أي صحيحان جُمع بينهما إن أمكن الجمع” وهنا وجدنا الجمع ممكنًا بالتأويل، فإن قلنا: أولية القلم فهي بالنسبة للكتابة أي أن القلم أول ما خُلق للكتابة، فصح الجمع بينهما وزال التعارض.

 قاعدة في التصحيح والتضعيف

العبرة في التصحيح والتضعيف أن يكون من حافظ أي أن يَنُصَّ حافظ على أن هذا الحديث صحيح أو أن يذكر حافظ في كتابه أنه يقتصر فيه على الصحيح كالحافظ سعيد بن السَّكن فإنه ألَّف كتابًا اشترط فيه الاقتصار على الصحيح سمّاه “السنن الصحاح”.

ويؤيد هذا ما ذكره الحافظ السيوطي في ألفيته في مصطلح الحديث:

وخذه حيث حافظ عليه نصّْ *** أو من مصنف بجمعه يُخَصّْ

يعني أنّ الحديث الصحيح يُعرف أنه صحيحٌ بنص حافظ على صحته، أو بأن يُذكر في كتاب ألفَّه حافظٌ واشترط فيه أنه لا يذكر في كتابه هذا إلا الصحيح.

وأما غير الحفاظ فلا عبرة بتصحيحهم ولا بتضعيفهم، فحديث أولية النور المحمدي لم يصححه حافظٌ من الحفاظ لا من المتقدمين ولا من المتأخرين، ولم يُذكر في كتاب اشترط فيه مؤلفه الحافظ أنه يقتصر فيه على الصحيح.

وأما غير الحفّاظ فلاعبرة بتصحيحهم ولا بتضعيفهم, فحديث أولية النور المحمدي لم يصححه حافظٌ من الحفاظ لا من المتقدمين ولا من المتأخرين, ولم يُذكر في كتابٍ اشترط فيه مؤلفه الحافظ أنه يقتصر فيه على الصحيح.

وأما مجرد ذكر حديث في كتابٍ مؤلفُه حافظ فليس دليلاً على صحته، فهذا الإمام أحمد بن حنبل شيخ الحفاظ مع جلالة قدره وهو أحد الأئمة الأربعة المجتهدين ذكر في كتابه المسند ءالافًا من الأحاديث الثابتة الصحيحة وءالافًا من الضعاف، بل تكلم الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني على أربعة عشر حديثًا مما في المسند بأنها موضوعة، فإذا كان هذا حال مسند الإمام شيخ الحفاظ أحمد بن حنبل فماذا يكون مؤلفات مَنْ هو دونه كالحافظ عبد الرزاق الذي صنف كتابه المعروف بالمصنف وكتاب التفسير وكتاب الجامع.

فالذين ذكروا حديث: “أولُ ما خلق الله نورُ نبيك يا جابر” من المتأخرين كثيرٌ لكنّ كثرتهم لا تفيدهم شيئًا لأنهم لم يبلغوا درجة الحافظ، إنما بعضهم محدثون لهم إلمامٌ بالحديث وبعضهم ليسوا من المحدثين بالمرة مثل الشيخ يوسف النبهاني فإنه ذكر في بعض مؤلفاته أنه ليس عالمًا فضلاً عن المحدثيّةِ وأدخل في كتابه “أربعين الأربعين” لضعفه في هذا العلم “الأربعين الودعانية” المحكوم عليها عند الحفاظ بأنها موضوعة، وهذا ناتج عن قلة اطلاعه في هذا العلم فلذلك خَفيَ عليه ذلك ولم يعرف أنها موضوعة.

والشيخ يوسف النبهاني قد جازف في هذا الباب مجازفة كبيرة لقوله في ألفيته:

نورك الكل والورى أجزاءُ *** يا نبيًا من جنده الأنبياءُ

وفي كتاب “مولد أبي الوفا” أيضًا ما نصه:

خلق الله من النور القديم *** نور مصطفى التهامي الأصيل

أتطلق هذه العبارة على ما يرويه مثل هؤلاء؟! وما الذي يدعو إلى هذا التعصب؟ وهل الفضل بالتقدم في الوجود؟

إنما الفضل بتفضيل الله تعالى لمن يشاء، فلو كان الفضل بتقدم الوجود لكان الماء أفضل كل شىء مع أنه من النعم التي امتن الله بها على عباده وذكره في القرءان بقوله: {وجعلنا من الماء كل شىءٍ حي} [سورة الأنبياء]، ولكان القلم أيضًا أفضل خلق الله مع ثبوت لفظ “إنه أول ما خلق الله” رواية.

يكفي سيدنا محمدًا بأفضليته على جميع خلق الله ما ذكره الله في القرءان الكريم من أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن به إذا بُعث محمد وهو حي وذلك ما في قوله تعالى: {وإذ أخذَ اللهُ ميثاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءاتيتُكم مِن كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكُم رسولٌ مصدِّقٌ لِما معكم لَتُؤمِنُنَّ بهِ ولَتَنْصُرنَّهُ} [سورة ءال عمران] الآية.

دليل وضع حديث جابر

هذا الحديث فيه ثلاث علل على أنه موضوع:

الأولى: أن أوّله وهو نص في أن النور المحمدي أول المخلوقات على الإطلاق، ثم الجملة التي بعده وهي “خلقه الله تعالى من نوره قبل الأشياء”، فإن قُدّرت هذه الإضافة التي في كلمة نوره إضافة المِلْك إلى المالك كان المعنى أنّ أول المخلوقات نورٌ خلقه الله تعالى ثم خلق منه نورَ محمدٍ فيكون هذا نقضًا لأوله فلا يصحُّ على هذا قولُ “نورُ محمدٍ أول المخلوقات على الإطلاق”.

وأما إن قُدّرت هذه الإضافة إضافةَ الصفة إلى الموصوف فالبليَّة أشدُّ وأكبرُ لأنه يكون المعنى على هذا التقدير أنَّ نور محمد جزءٌ من الله وهذا هو الشرك الأكبر والكفر الأشنع، لأن من عقيدة أهل السنة أن الله تعالى لم ينحلَّ منه شىء ولا ينحلُّ هو من شىءٍ غيره وأنه ليس مركبًا وأنه ليس شيئًا له أجزاء وإنما الجزء للمخلوقات، وقد ذكر الشيخ عبد الغني النابلسي رضي الله عنه أن من اعتقد أن الله انحلَّ منه شىء أو انحلّ هو من شىء فهو كافر وإن زعم أنه مسلم وأن من اعتقد أنه نور يتصوره العقل فهو كافر، فاعتقاد أن الرسول جزءٌ من نور هو من ذات الله كاعتقاد النصارى أنّ المسيح روحٌ هو جزءٌ من الله.

ومن المعلوم أن كلام الرسول لا ينقضُ بعضه بعضًا، وهذا الحديث الجملة الثانية منه تنقض الأولى، فالرسول منزهٌ عن أن ينطق بمثله، فبهذا سقط الاحتجاج بهذا الحديث على دعوى أن أول المخلوقات على الإطلاق نور محمد.

الثانية: قد حكم المحدث الحافظ أبو الفضل أحمد الغماري المغربي على هذا الحديث بأنه موضوع كما قدمنا، واستدل بما قرره علماء الحديث أن الركاكة في الحديث دليل كونه موضوعًا وذلك ظاهر لمن تأمل في ألفاظه.

الثالثة: من جملة ألفاظه ما نقله سليمان الجمل في شرحه على الشمائل عن سعد الدين التفتازاني في شرح بردة المديح عند قوله:

وكل ءاي أتى الرسل الكرام بها *** فإنما اتصلتْ من نوره بهمِ

وهذا نص عبارته [41]: “عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول شيء خلقه الله فقال: هو نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير وخلق بعده كل شر، فحين خلقه أقامه قدامه في مقام القرب اثني عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام، فخلق العرش من قسم والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام، فخلق القلم من قسم والروح من قسم والجنة من قسم وأقام القسم الرابع في مقام الخوف اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق الملائكة من جزء وخلق الشمس من جزء وخلق القمر والكواكب من جزء وأقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق العقل من جزء والحلم والعلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء وأقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر ألف سنة، ثم نظر إليه فترشح ذلك النور عرقًا فقطرت منه مائة ألف وعشرون ألفًا وأربعة ءالاف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة روح نبي أو رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسهم نور أرواح الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة، فالعرش والكرسي من نوري، والكروبيون والروحانيون من الملائكة من نوري، وملائكة السموات السبع من نوري، والجنة وما فيها من النعيم من نوري، والشمس والقمر والكواكب من نوري، والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، والشهداء والسعداء والصالحون من نتائج نوري، ثم خلق الله اثني عشر حجابًا فأقام النور وهو الجزء الرابع في حجاب ألف سنة وهي مقامات العبودية وهي حجاب الكرامة والسعادة والرؤية والرحمة والرأفة والحلم والعلم والوقار والسكينة والصبر والصدق واليقين فعبد الله ذلك النور في كل حجاب ألف سنة، فلما خرج النور من الحجب ركّبه الله في الأرض فكان يضيء، وركب فيه النور في جيبه ثم انتقل منه إلى شيث ولده، وكان ينتقل من طاهر إلى طيب إلى أن وصل إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى زوجه أمي ءامنة، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة للعالمين وقائد الغر المحجلين هكذا كان بدء خلق نبيك يا جابر” ا.هـ.

واللفظ الذي ساقه العجلوني ونسبه إلى مصنف عبد الرزاق وهذا نصه: “عن جابر بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شىء خلقه الله قبل الأشياء قال: يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأنبياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ ولا قلمٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ ولا ملكٌ ولا سماءٌ ولا أرضٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ ولا جنٌّ ولا إنسٌ، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم ومن الثاني اللوح ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات ومن الثاني الأرضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنفسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”. ا.هـ.

وبين الروايتين المنقولتين اختلاف كبير فظاهر هذا اضطراب والاضطراب من موجبات الضعف.

ثم إن الإسناد الذي ذكر لهذا الحديث منقطع بين إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري وعبد الرزاق، فقد ظهر بذلك أن فيه ثلاث علل: الاضطراب، وانقطاع الإسناد، والركاكة، والركاكة من علامات الوضع كما قرره علماء الحديث في كتب المصطلح.

 نصيحة

قال عصرينا الشيخ عبد الله الغماري في رسالته “مرشد الحائر” [42]: “وما يوجد في بعض كتب المولد النبوي من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فلا يعتمد على تلك الكتب ولا يقبل الاعتذار عنها بأنها من الفضائل، لأن الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف، أما الحديث المكذوب فلا يقبل في الفضائل إجماعًا، والنبي يقول: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين..” [43]، ويقول: من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار [44]، وفضل النبيّ صلى الله عليه وسلم ثابت في القرءان الكريم والأحاديث الصحيحة وهي في غنى عما يقال فيه من الكذب والغلو…” ا.هـ.

ثم إن التشبث بقول إن نور محمد أولُ المخلوقات على الإطلاق نوعٌ من الغلو وقد نهى الله ورسوله عن الغلو.

ومن الغلو أيضًا اعتقاد كثير من الناس أن الولي لا يخطئ في شيء من أمر الدين، وهذا خلاف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أحد منكم إلا يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله“، وفي رواية: “غير النبي“، وحسَّنه الحافظ العراقي.

فالولي مهما علت مرتبته يخطئ في بعض المسائل الفرعية إلا في أصول العقيدة ونحو ذلك، وعلى هذا كبار القوم، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: “إذا علم المريد من الشيخ الخطأ فينبهه فإن رجع وإلا فليكن مع الشرع”.

وقال الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه: “سلّم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشريعة فإذا خالفوا الشرع فكن مع الشرع”، يعني رضي الله عنه الأولياء.

وهذا الحديث صريح في أنّ كل فرد من أفراد الأمة خواصها وعوامها لا بد أن يكون بعضُ قوله صحيحًا وبعض غيَر صحيح أي أنه لا يستثنى منهم أحد.

فيجب تحذير هؤلاء المتشبثين بكل ما ينسب إلى الأولياء مما صح عنهم مما هو خطأ ومما لم يصح عنهم وذلك أكثر، ويحتجون لهذا الفهم الفاسد بقول القائل:

وكن عنده كالميتِ عند مُغسِّلٍ *** يقلّبُهُ  كَيْفما يشاءُ ويفعلُ

ويظنون أنّ معناه أنه يجب اتباع الشيخ الكامل في كل شىء وأنه منزه عن الخطإ فهؤلاء الجهلة سَاوَوا الوليَّ بالنبي.

ويكفي شاهدًا لما ذُكر أنه ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه اعترف بالخطإ على نفسه وذلك أنه قال مرةً: “أيها الناس لا تغالوا في مهور النساء فأي إنسان بلغني أنه جعل مهر امرأته أكثر من أربعمائة درهم أخذته ووضعته في بيت المال”، فقالت امرأة: ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: {وءاتَيْتُم إحداهُنَّ قِنطارًا فلا تأخُذُوا منهُ شيئًا} [سورة النساء] فصعد عمر رضي الله عنه المنبر وقال: “أيها الناس أنتم وشأنكم في مهور نسائكم أصابت امرأة وأخطأ عمر”، وعمر أفضل أولياء أمة محمد بعد أبي بكر رضي الله عنهما وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأنه مُلهَمٌ، فقد روى البخاري [45] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَّدثُون وإنه إن يكن في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب“، وكشف عمر رضي الله عنه ثابت وهو الذي قال: “وافقتُ ربي في أربع” أي وافق إلهامه القرءان.

فليعلم هذا هؤلاء الأغرار الذين يعتقدون أن ما يقوله شيخ طريقتهم لا يخطئ أبدًا فيتشبثون بما يُنسب إلى مشايخهم مما يخالف الشريعة لاعتقادهم أنه لا يصدر منهم إلا ما يوافق الواقع، وهذا نوع من الغلو الذي نهى عنه الله ورسوله قال الله تعالى: {يا أهلَ الكتابِ لا تَغْلوا في دينكم} [سورة المائدة]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك مَنْ كان قبلكم الغلو في الدينرواه النسائي [46].

ومن أشد الناس غلوًا في هذا الزمن بعض المنتسبين للطرق فإنهم يَقبلون إذا قيل لهم المؤلف الفلاني أخطأ في كذا ولو كان من أشهر فقهاء المسلمين ولا يقبلون إذا قيل لهم شيخكم الذي تنتسبون إلى طريقته أخطأ ولو بُيِّن لهم الدليل، فليعلم هؤلاء أنهم خالفوا القرءان والحديث وكلام سيد الطائفة الصوفية الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه فإنه قال: “الطريق إلى الله مسدودة إلا على المقتفين ءاثار رسول الله”، وقال أيضًا: “ربما تخطر لي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة”.

ومن هنا قال بعض الأصوليين في كتب أصول الفتح: “إلهام الولي ليس بحجة”.

 خاتمة

إن التشبث بهذا الحديث يقوّي الوهابية على الطعن في أهل السنة وتسفيههم وهم السفهاءُ، فلا خير في التمادي على قول يزيد أولئك الوهابية طعنًا في أهل السنة وتشنيعًا مما ليس له أصل عند أهل السنة، وكذلك القول بأنّ الرسول يعلم كلّ ما يعلم الله يزيدهم جرأة على الطعن في أهل السنة ولا سيما الصوفية.

فماذا يقول المنتسب إلى السنة أمام الوهابي إذا قال له الوهابي: من أين لكم أن تقولوا هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أوتيتُ مفاتيح كل شيء سوى الخمس” وهو حديث صحيح صححه السيوطي [47]، وحديث البخاري [48]: “إنكم محشورون إلى الله حُفاةً عُراة غُرلا {كما بدأنا أوَّل خلقٍ نُعيدهُ} الآية، وإن أول الخلائق يُكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل، وإنه سيُجاءُ برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي فيقول الله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} إلى قوله: {الحَكِيم}، قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم”.

وزاد في رواية سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة أيضًا: فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا“، فهذا نص صريح واضحٌ كالشمس في أن الرسول لا يعلم كل ما يعلم الله.

ثم التمادي على دعوى القول بأن نور محمد أول خلق الله لا يزيد الكافرين إذا سمعوا ذلك إلا نفورًا من الإسلام واستبشاعًا له، فأيُّ فائدة للتعصب لهذا الحديث؟!

فهذا الحديث تنفر الكفار عند سماعه من بعض المسلمين نفورًا زائدًا على نفورهم الأصلي من الإسلام، فلقد ذكر لي رجلٌ يدعى أبا علي ياسين من أهل الشام أن نصرانيًا قال له: كيف تقولون أنتم محمد ءاخر الأنبياء وتقولون إنه أول خلق الله؟ وذلك نشأ عنده لما كان يسمع من بعض المؤذنين قولهم عقب الأذان على المنائر: “يا أول خلق الله وخاتم رسل الله”، قال أبو علي ياسين: فلم أجد جوابًا.

والحمد لله، وصلى الله عليه صلاةً يقضي بها حاجاتنا، ويفرّج بها كُرباتنا، ويكفينا بها شر أعدائنا، وسلم عليه وعلى ءاله الاطهار وصحابته الأخيار سلامًا كثيرا، والحمد لله رب العالمين. انتهى.

 الهوامش:

[1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق” وهم أهل العلم.

[2] الكلم الطيب [ص/73].

[3] عمل اليوم والليلة [ص/72-73]، الأدب المفرد [ص/324].

[4] غريب الحديث [2/673-674].

[5] الأذكار [ص/321].

[6] عدة الحصن الحصين [ص/105].

[7] تحفة الذاكرين [ص/267].

[8] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [9/17-18]، والمعجم الصغير [ص/201-202] وقال: “والحديث صحيح”.

[9] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب ما يقال في الركوع والسجود.

[10] البداية والنهاية [10/327]، قال البيهقي: “هذا إسناد لا غبار عليه”.

[11] فتح الباري [13/428]، الأسماء والصفات [ص/345].

[12] صحيح البخاري: التفسير: أول باب تفسير سورة القصص.

[13] تفسير القرءان الكريم [ص/194].

[14] صحيح البخاري: كتاب التفسير: سورة هود: باب قوله: {وكان عرشه على الماء}.

[15] صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}.

[16] الأسماء والصفات [1/364].

[17] صحيح ابن حبان: كتاب الصلاة: فصل في قيام الليل، راجع الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [4/115].

[18] فتح الباري [6/289].

[19] فتح الباري [6/289].

[20] تفسير عبد الرزاق [2/301].

[21] تفسير الطبري [12/4]، والدر المنثور [4/4].

[22] الحاوي للفتاوى [1/325].

[23] مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر [ص/43].

[24] المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير للمناوي [ص/4].

[25] فتح الباري [6/289].

[26] إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين [1/453-454].

[27] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء [7/318].

[28] المغني عن حمل الأسفار [1/48].

[29] فتح الباري [6/289].

[30] انظر أسنى المطالب [ص/242]، والمقاصد الحسنة [ص/520]، وكشف الخفا [2/169-170].

[31] التذكرة في الأحاديث المشتهرة [ص/172]، والمقاصد الحسنة [ص/522]، وتمييز الطيب من الخبيث [ص/126]، وكشف الخفا [2/173]، وتنزيه الشريعة [1/341]، والأسرار المرفوعة [ص/178]، وتذكرة الموضوعات [ص/86]، وأسنى المطالب [ص/243]، ومرشد الحائر [ص/49].

[32] مسند أحمد [5/59].

[33] مجمع الزوائد [8/223].

[34] المعجم الكبير [20/353].

[35] مسند أحمد [4/127-128].

[36] مستدرك الحاكم [2/600].

[37] دلائل النبوة [1/80-83].

[38] دلائل النبوة [1/81].

[39] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، والترمذي في سننه: أبواب الطهارة: باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وابن ماجه في سننه: كتاب الطهارة وسننها: باب الوضوء بماء البحر، والحاكم في المستدرك [1/140]، وابن خزيمة في صحيحه [1/59] كلهم من طريق مالك، وصححه الترمذي والحاكم وابن خزيمة.

[40] أخرجه الدارقطني في سننه [3/71]، والبيهقي في سننه [5/290]، والحاكم في المستدرك [2/57] وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

[41] بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوي [2/537].

[42] مرشد الحائر [ص/49 و50].

[43] أخرجه مسلم في صحيحه: المقدمة: باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذّابين والتحذير من الكذب عن رسول الله، والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب، وابن ماجه في سننه: المقدمة: باب من حدّث عن رسول الله حديثًا وهو يرى أنه كذب.

[44] روي من طريق عديدة منها ما اخرجه البخاري في صحيحه: في كتاب العلم: باب إثم من كذب على النبي، وكتاب الأدب: باب من سمى بأسماء الأنبياء، ومسلم في المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول الله، وأبو داود في سننه: كتاب العلم: باب في التشديد في الكذب على رسول الله، والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله، وباب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، وكتاب الفتن، وابن ماجه في سننه: المقدمة: باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله، وأحمد في مسنده في مواضع عديدة عن رواة عدة.

[45] صحيح البخاري: أحاديث الأنبياء: باب 54.

[46] أخرجه النسائي في سننه: كتاب المناسك: باب التقاط الحصى.

[47] الخصائص الكبرى [2/334].

[48] أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه: كتاب التفسير: باب سورة الأنبياء، وكتاب الأنبياء: قول الله تعالى: {واتَّخَذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً}، وكتاب الرقاق: باب الحشر.

 

< Previous Post

تُحفةُ اللَّبيب في الرَّدِ عَلَى مَن أنكَرَ الاحْتِفالَ بِذِكْرى مَوْلِدِ الحبيب

Next Post >

جويهل يدعو لهدم المسجد الحرام تفاديا للاختلاط

Darulfatwa

35 Brancourt Ave,
Bankstown NSW 2200

P: +612 9793 3330
F: +612 9793 3103
info@darulfatwa.org.au

Darulfatwa World Map