في صحيح البخاري: قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ.اهـ

قال الحافظ ابن حجر (ت852 هـ) في «فتح الباري بشرح البخاري » (9/ 145): «قوله (كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ) ظاهره أن عتقه لها كان قبل إرضاعها، والذي في السِّيَر يخالفه، وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل، وحكى السهيلي أيضا أن عتقها كان قبل الإرضاع».اهـ

وروى ابن سعد (ت 230 هـ) في الطبقات الكبرى (1 / 87) «عن محمد بن عمر الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة. وكانت خديجة تكرمها. وهي يومئذ مملوكة. وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها. فأبى أبو لهب. فلما هاجر رسول الله ﷺ ‌إلى ‌المدينة ‌أعتقها ‌أبو ‌لهب».اهـ وكذا في عدد من كتب السيرة.

قال في «فتح الباري» (9/ 145): «قوله (لم ألق بعدكم، غير أني) كذا في الأصول بحذف المفعول، وفي رواية الإسماعيلي (لم ألق بعدكم رخاء) وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري (لم ألق بعدكم راحة) قال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري، ولا يستقيم الكلام إلا به».اهـ

 وقال في «فتح الباري» (9/ 145): «الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رءاها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به».اهـ

قلت: لأنها ليست رؤيا نبي، ولأن العباس وهو صاحب المنام كما في بعض كتب السيرة، لم يكن إذ ذاك قد أسلم، وبعد إسلامه لم يعرض رؤياه على الرسول ﷺ، فلا يبنى على ذلك حكم شرعي. ثم إنه ليس في النص المذكور الكلام عن التخفيف في نار جهنم، وإنما  مراد الراوي التخفيف بشىء يسير عنه في القبر كل يوم اثنين، لأن جهنم لا يدخلها الكفار للاستقرار فيها إلا في الآخرة، وقبل الآخرة يكون عذابهم في القبر. والعباس ما قال في جهنم، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر:36]، وقال سبحانه:{خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة:162]. ولم يستثن كافرا، ولم يستثن يوما، فكيف يصح أن يقال بعد هذا عن أبي لهب: إنه يخفف عنه في نار جهنم كل يوم اثنين، بدعوى أنه أعتق ثويبة حين بشرته بولادة سيدنا محمد ﷺ، وهو الذي سب النبيَّ ﷺ وءاذاه وهو الذي نزلت سورة قراءنية في ذمه. وعلى قوله هذا يلزم أن يخفف العذاب عن فرعون لأنه ربّى موسى عليه السلام وأنفق عليه. على أن أبا لهب لم يفرح لكون محمد نبيا مبشَّرا، وإنما كان فرحه بولادة مولود ذكر لأخيه، ولما نبئ محمد ﷺ عاداه وحاربه وكذبه.

قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}. وقد قال رسول الله ﷺ: «فَأَمَّا ‌الْكَافِرُ ‌فَيَطْعَمُ ‌بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يعطى بها خيرا» رواه أحمد وصححه ابن حبان.

قال الإمام المجتهد المفسر ابن جرير الطبري ( ت310هـ)  في تفسيره (3/ 264): «وأما قوله: {لا يخفّف عنهم العذاب}، فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن ‌دَوَام ‌العذاب ‌أبدًا ‌من غير توقيت ولا تخفيف، كما قال تعالى ذكره: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) [سورة فاطر: 36]، وكما قال: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)».اهـ وقال أيضا في تفسيره (5/ 563):«{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ}: ‌لا ‌يُنقصون ‌من ‌العذابِ شيئًا في حالٍ من الأحوالِ، ولا يُنَفَّسون فيه».اهـ

قال القاضي عياض (ت 544هـ) في «إكمال المُعلم بفوائد مسلم» (1/ 597): «للإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا بتخفيف عذابٍ».اهـ

وقال شمس الدين الكرماني (ت 786هـ) في «الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري» (22/ 58) وشمس الدين البِرْماوي (ت 831 هـ) في «اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح» (15/ 243): «‌لا ‌يخفف ‌عن ‌أبي ‌لهب ‌مع ‌أنه ‌عمه».اهـ

وقال أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803هـ) في تفسيره (1/ 194) عن أبي طالب وأبي لهب: «العذاب الذي استحقه كل واحد منهما ونزل به ‌لا ‌يخفف ‌عنه منه»، وقال في (1/350): «قصة أبي لهب كانت رؤيا نومية رءاها العباس فلا يحتج بها».اهـ

وقال أبو حفص ابن الملقن (ت 804 هـ) في «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (24/ 283) وفي «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» (8/ 162): «ومذهب المحققين أن ‌الكافر ‌لا ‌يخفف ‌عنه ‌العذاب بسبب حسناته في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه».اهـ

وكذا قال العيني (ت 855 هـ) في «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (20/ 95) : « ومذهب المحققين أن ‌الكافر ‌لا ‌يخفف ‌عنه ‌العذاب بسبب حسناته في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه، وقال القاضي عياض: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، ولكن بعضهم أشد عذابا بحسب جرائمهم. وقال الكرماني: لا ينفع الكافر العمل الصالح. إذ الرؤيا ليست بدليل».اهـ

وقال الشيخ عبد الله بن علوي بن محمد الكاف (ت 1357هـ) في كتابه «أسرار النسب في شرار العرب وبيان عدم تخفيف العذاب لأبي لهب» (ص 6) «لا له تخفيف من عذاب الله، فمن قال: إن له تخفيفا كل يوم اثنين فقد جحد الكتاب والسنة وتمسك بأوهى من بيت العنكبوت وترك حبل الله المتين وحاد عن الصراط المستقيم لسبب ميوله إلى مرائي وأوهام التي هي ضد الكتاب والسنة. ومن الآيات الواضحة الجلية التي تدل على عدم تخفيف عذاب الكفار: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}».اهـ 

وما أحسن هذه الرسالة التي ألفها الشيخ خالد بن مصطفى القونوي المولود سنة 1357هـ وأسماها: «أبو لهب لا يخفف عنه العذاب في ذات لهب».اهـ  فإنه ينبغي الاطلاع عليها.

< Previous Post

نجاة أبوي رسول الله ﷺ

Next Post >

حدث في العشر الأول من رمضان

Darulfatwa

40 Hector Street,
Chester Hill NSW 2162

P: +612 9793 3330
F: +612 9793 3103
info@darulfatwa.org.au

Darulfatwa World Map