القول الحق في أبَوَي النبي ﷺ إنهما ناجِيَان في الآخرة ولَيْسَا مِن أهل النار، وهذا هو الذي ارتضاه جمع كبير من علماء أهل السنة والجماعة المُحَقِّقين سَلَفًا وخَلَفًا، قال الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ) في الفقه الأكبر (ص40): ووالدا رسول الله ﷺ ماتا على الفطرة.اهـ وفي بعض نسخ الفقه الأكبر: ما ماتا على الكفر.اهـ وفي بعض النسخ: والد رسول الله ﷺ مات على الإيمان.اهـ

فمن أهل العلم من قال فيهما: إنهما من أهل الفترة، وهما داخلان في قول الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). ومن أهل العلم من قال: أُلهِما الإيمانَ بالله فعاشا مؤمنَين لا يَعبُدان الوَثَن. وشاهده حديث العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وَرُؤْيَا أُمِّيَ الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي أَنَّهُ ‌خَرَجَ ‌مِنْهَا ‌نُورٌ ‌أَضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ» قال الحافظ في الفتح (6 / 583): أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم.اهـ قلت: فلولا أنها مؤمنة ما أعطيت هذه القوة بعينها حتى ترى قصور بصرى. وهذا الحديث ثابت رواه أيضا الحافظ ابن حجر في الأماليّ على ابن الحاجب وحسّنه.اهـ

وأما ما رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: « أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّار». وما رواه مسلم من طريق يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « ‌اسْتَأْذَنْتُ ‌رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي ». فقد أعلّهما بعض الحفاظ، لمخالفتهما لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وخبر الآحاد لا يُقَدَّم على القرءان الكريم، وفي صحيح مسلم أحاديث انتقدها بعض المحدثين وهذان الحديثان منهما. وبعض العلماء أولوا قوله ﷺ في الحديث الثاني: ( فلم يأذن لي) بأن النهي عن الاستغفار لها لا يفيد أنها غير موحدة، وإنما كان ذلك حتى لا يلتبس الأمر على أولاد الكافرين فيستغفروا لآبائهم الذين ماتوا على عبادة الوثن. أفاده جمع من العلماء، منهم: الحافظ السيوطي (ت 911 هـ) في رسائله الستة والتي منها: «مَسَالِك الحُنَفاء في والِدَي المصطفى»، و« التعظيم والمنة في أن أبَوَي رسول الله ﷺ في الجنة»، وشيخ الإسلام في الدولة العثمانية ابنُ كمال باشا الحنفي (ت940هـ) في «رسالة في تفصيل ما قيل في أبوي النبي ﷺ»، وشيخُ الحنفية في دمشق ابنُ طولون الدمشقي (ت953هـ) في «مناهج السُّنّة في كون أبوي النبي ﷺ في الجنة»، ومفتي الحرم عبدُ القادر الطبري الحسيني الشافعي (ت1033هـ) في «إيمان الوالدين الشريفين والرد على من ادَّعَى خلافه»، والحافظ مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ)  شارح القاموس في «الانتصار لوالدي النبي المختار» وفي «حديقة الصفا في والدي المصطفى»، والعلامة السيد محمد علي بن حسين المالكي ( ت 1367 هـ) في «سعادة الدارين بنجاة الأبوين»، والمحدث محمد زاهد الكوثري ( ت 1371هـ) في مقدمته على «رسالة العالم والمتعلم»، والشيخ عمران بن أحمد بن عمران (ت 1372هـ ) في «غاية الوصول في نجاة أبوي الرسول»، والمحدث الشيخ عبد الله الغماري ( ت 1413هـ) في «الفوائد المقصودة في بيان الاحاديث الشاذة المردودة»، وشيخنا المحدث عبد الله الهرري ( ت 1429هـ) في «بغية الطالب»، وغيرهم كثير.اهـ

وأما الرسالة التي تُنسَب للشيخ ملا علي القاري الحنفي (ت 1014هـ) في القدح في إسلام والدي النبي ﷺ فقد استهجنها العلماء، وقد اعتمد على نسخة محرفة من الفقه الأكبر فيها: (ماتا على الكفر)، والصواب: ( ما ماتا على الكفر)، ثم رجع عن ذلك،  فقال في “شرح الشفا للقاضي عياض” (1/ 601): (والأصح إسلامهما على ما اتفق عليه الأجلة من الأئمة، كما بينه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة).اهـ وقال فيه أيضًا (1/648): (وأما ما ذكروه من إحيائه عليه الصلاة والسلام أبويه فالأصح أنه وقع، على ما عليه الجمهور الثقات، كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفات).اهـ

 زيادة فائدة:

إن هذه اللفظة وهي قوله: «إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار»، لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما انفرد بذكرها ‌حماد ‌بن ‌سلمة عن ثابت عن أنس، وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكرها، ولكن قال له: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار»، ومعمر أثبت من حيث الرواية من حماد بن سلمة، فإن حمادًا تكُلِّم في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أن ربيبه ابن أبي العوجاء دسَّها في كتبه، فحدَّث بها فوهم فيها، أو أنه تصرَّف فرواه في المعنى، أو أن أَحَد الرُّوَاةِ عنه روى الحديثَ بالمَعنى، فوَقَع هذا الخَطَأُ مِنه أو مِن أَحَدِ الرُّوَاة عنه. ومن ثَـمَّ لم يخرج له البخاري شيئا، ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، وأما معمر فلم يُتَكلَّم في حفظه ولا استُنكر شىء من حديثه. واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت، قال الحافظ السيوطي في رسالته” مسالك الحنفا في والدي المصطفى” المدرجة في  “الحاوي” 2/ 402، 444 : فعلم أن هذا اللفظ الأول (وهو لفظ رواية حماد) من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه، وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراوي، وغيره أثبت منه، كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، وقد أعله الإمام الشافعي رضي الله عنه بذلك، وقال: إن الثابت من طريق ءاخر نفي سماعها، ففهم منه الراوي نفي قراءتها، فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ.اهـ 

قلت: وورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس، فأخرج البزار والطبراني وابن السني في “عمل اليوم والليلة” والبيهقي في “الدلائل” من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن أعرابيًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: “في النار”. قال: فأين أبوك؟ قال: “حيثما مررتَ بقبر كافر فبشِّره بالنار”.اهـ

قال الحافظ السيوطي: وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره، وقد زاد الطبراني والبيهقي في ءاخره قال: فأسلم الأعرابي بعد فقال: «لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار».اهـ

وقد أخرج ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان وكان، فأين هو؟ قال: “في النار” قال: فكأنه وجَدَ من ذلك، فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ: “حيثما مررتَ بقبرِ مشركٍ، فبشِّره بالنار”. قال الحافظ البوصيري في “مصباح الزجاجة” ورقة 101 – 102: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.اهـ

وأما ما رواه مسلم من طريق يزيد بن كيسان، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « ‌اسْتَأْذَنْتُ ‌رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي ».

فقوله: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي) دليل على أنه يعتقد فيها الإيمان، وإلا لا يستأذن أن يستغفر لمشرك، وقد قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) وفي صحيح البخاري وغيره أن هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب، وذلك قبل الهجرة، وأما زيارته ﷺ لقبر والدته الكريمة بالأبواء فبعد الهجرة وذلك عام الفتح سنة ثمان، وقال بعضهم: عام الحديبية ‌سنة ‌ست.اهـ

ملاحظة:

رسائل الحافظ جلال الدين السيوطي الستة، هي: 1«مَسَالِك الحُنَفاء في والِدَي المصطفى»، 2 «الدرج المنيفة في الآباء الشريفة»، 3 «المقامة السندسية في النسبة المصطفوية»، 4 « التعظيم والمنة في أن أبَوَي رسول الله ﷺ في الجنة»، 5 «نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين»، 6 «السبل الجَلِيَّة في الآباء العَلِيَّة».اهـ

< Previous Post

فَضَائِلُ رَمَضَانَ

Next Post >

أبو لهب لا يخفف عنه العذاب في ذات لهب

Darulfatwa

40 Hector Street,
Chester Hill NSW 2162

P: +612 9793 3330
F: +612 9793 3103
info@darulfatwa.org.au

Darulfatwa World Map