إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصِفِيُّهُ وَحَبِيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ فَجَزَاهُ اللهُ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ .

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ، أُوصِي نَفْسِيَ وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿الأَخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ الأَخِلاَءَ الَّذِينَ يَكُونُونَ أَصْدِقَاءَ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ أَيْ إِلاَّ الَّذِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْخَيْرِ، أَيْ إِلاَّ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِشَرِيعَةِ اللهِ تَمََََامًا فَلاَ يَغُشُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. سِوَى هَؤُلاَءِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَعَاوَنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدَوٌّ، مَهْمَا كَانَتْ صَدَاقَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَوِيَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْقَلِبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوًّا، هَذَا عَدُوٌّ لِهَذَا وَهَذَا عَدُوٌّ لِهَذَا. الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِي اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ ظِلُّ الْعَرْشِ، هَذِهِ الأَرْضُ تَتَبَدَّلُ لاَ يَبْقَى جَبَلٌ وَلاَ وَهْدَةٌ، كُلُّها هَكَذَا،كُلُّ الأَرْضِ هَكَذَا لاَ يُوجَدُ عَلَيْهَا شَجَرٌ وَلاَ كُهُوفٌ، هَذِهِ الأَرْضُ تُدَكُّ دَكًّا، الْجِِِبَالُ تَصِيرُ كَالْغُبَارِ تَطِيرُ فِي الْجَوِّ، اللهُ تَعَالَى يَنْقُلُ الْبَشَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى ظُلْمَةٍِ فِي جِهَةِ الصِّرَاطِ، يُحْمَلُونَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ بَعْدَمَا تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَهَا يَرُدُّهُمُ اللهُ إِلَيْهَا، فَلاَ يَكُونُ عَلَى الأَرْضِ مَكَانٌ مُنْخَفِضٌ وَلاَ مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ وَلاَ أَشْجَارٌ وَلاَ مَسَاكِنُ، وَلاَ يُظِلُّ الإِنْسَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلاَّ عَمَلُهُ، الَّذِينَ أَرَادَ اللهُ لَهُمُ الرَّاحَةَ وَالسَّلاَمَةَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَكُونُونَ تَحْتَ ظِلّ الْعَرْشِ مُنْفَصِلِينَ عَنِ النَّاسِ، النَّاسُ الَّذِينَ فِي الدُّنْيَا يَتَحَابُّونَ لِوَجْهِ اللهِ لَيْسَ لِلْمَالِ وَلاَ لِلْهَوَى وَلاَ لِلْقَرَابَةِ بَلْ حُبًّا فِي اللهِ، اللهُ تَعَالَى يُسَلِّمُهُمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، ذَلِكَ الْحَرُّ عَلَى الْكُفَّارِ يَصِلُ عَرَقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى فَمِهِ لاَ يَتَجَاوَزُ عَرَقُهُ إِلَى غَيْرِهِ يَكَادُ يَمُوتُ، لَكِنْ لاَ يَمُوتُ لاَ يُوجَدُ مَوْتٌ فِي الآخِرَةِ، مَهْمَا تَعَذَّبَ الإِنْسَانُ يَبْقَى وَهُوَ فِي عَذَابِهِ فِي أَلَمِهِ لاَ يُوجَدُ مَوْتٌ، فِي الدُّنْيَا إِذَا إِنْسَانٌ أَحْرَقَتْهُ نَارٌ يَمُوتُ وَإِذَا قُطِعَ بِحَدِيدَةٍ يَمُوتُ وَإِذَا ضُرِبَ بِرَصَاصَةٍ يَمُوتُ، وَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ الْعُصَاةِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلاَ تَوْبَةٍ يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ إِلَى حَدِّ عَرَقِ الْكَافِرِ.

الْمُتَحَابُّونَ فِي اللهِ مَعْنَاهُ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْخَيْرِ لَيْسَ عَلَى الشَّرِّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، وَبَعْضُهُمْ اللهُ تَعَالَى يُجْلِسُهُمْ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ، لِبَاسُهُمْ نُورٌ وَوُجُوهُهُمْ نُورٌ وَكَرَاسِيُّهُمْ نُورٌ، هَؤُلاَءِ مِنْ خَوَاصِّ عِبَادِ اللهِ الأَتْقِيَاءِ، التَّحَابُّ فِي اللهِ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ فِي الآخِرَةِ، بِالْمُصَافَاةِ لَيْسَ بِالْغَشِّ. هَذَا لاَ يُشَجِّعُ أَخَاهُ عَلَى الشَّرِّ، عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهَذَا لاَ يُشَجِّعُهُ بَلْ يَنْهَاهُ، هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِي اللهِ الَّذِينَ تَكُونُ لَهُمْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ فِي الآخِرَةِ.

أَمَّا الَّذِينَ تَحَابُّوا عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ وَالْهَوَى أَوْ لأَِجْلِ الْمَالِ لَيْسَ لَهُمْ هَذَا الْفَضْلُ، الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ لِلْمَالِ أَوْ لِلْهَوَى أَوْ لِتَوَافُقِ هَوَاهُمْ هَؤُلاَءِ لاَ يَجِدُونَ فِي الآخِرَةِ مَا يَسُرُّهُمْ عَلَى تَحَابّهِمْ فِي الدُّنْيَا، بَلْ كَانُوا يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَعَلَيْهِمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، ذَلِكَ الْيَوْمَ يَفِرُّ هَذَا مِنْ هَذَا وَهَذَا يَفِرُّ مِنْ هَذَا، ذَلِكَ الأَبُ إِنْ كَانَ ظَلَمَ ابْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفِرُّ حَتَّى لاَ يُؤَاخَذَ بِحَقِّ ابْنِهِ وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَ الاِبْنُ ظَلَمَ أَبَاهُ هَذَا الاِبْنُ يَفِرُّ، لَكِنْ أَيْنَ الْمَخْلَصُ، أَيْنَ الْمَخْلَصُ، لاَ بُدَّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حَقُّهُ، وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ هَكَذَا، وَالأَخُ مَعَ الأَخِ هَكَذَا.

وَاسْمَعُوا مَعِي إِخْوَةَ الإيِمَانِ إِلَى مَا قَالَهُ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِخِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ أَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ أَيِ الاِقْتِرَابِ مِنْهُمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ مِنْ شِدَّةِ شَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ يَتَفَقَّدُهُ، حَتَّى إِنَّهُ قِيلَ لَهُ عَنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ مُؤْمِنٍ فَقِيرٍ حِينَ سَأَلَ عَنْهُ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ تُوُفِيَّ، فَذَهَبَ إِلَى قَبْرِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، سَأَلَ عَنْ قَبْرِهِ أَيْنَ دُفِنَ فَدُلَّ عَلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ. إِلَى هَذَا الْحَدِّ كَانَ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَعْتَنِي بِهِمْ وَهَذَا مَا كَانَ إِلاَّ رَجُلاً مُؤْمِنًا مِسْكِينًا كَانَ غَرِيبًا.

 قَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَأَوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي أَيْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا أَيْ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أُمُورِ الأَغْنِيَاءِ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الأَغْنِِيَاءِ يَصِيرُ عِنْدَهُ جَشَعٌ فَلاَ يَشْكُرُ اللهَ تَعَالَى، لأَِنَّ تَفْكِيرَهُ تَشَتَّتَ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ يُفَكِّرُ كَيْفَ يَصِيرُ مِثْلَ هَؤُلاَءِ فَيَنْهَمِكُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا حَتَّى يَصِيرَ يَجْمَعُ الْمَالَ بِالْحَرَامِ لاَ يُبَالِي فَهَمُّهُ أَنْ يَجْمَعَ، أَمَّا إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ أَيْ أَفْقَرُ مِنْهُ يَزْدَادُ شُكْرًا للهِ تَعَالَى وَيَكُونُ ذَلِكَ عَوْنًا لَهُ عَلَى الإِحْسَانِ بِمَا يَسْتَطِيعُ لِمَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قِيلَ وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ أَيْ لاَ يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. فَبِمَا أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ لاَ يَمْلِكُ مِنَ النُّقُودِ إِلاَّ دِرْهَمَيْنِ أَخْرَجَ دِرْهَمًا وَاحِدًا ابْتِغَاءَ الْفَضْلِ مِنَ اللهِ كَانَ ثَوَابُ هَذَا الدِّرْهَمِ الْوَاحِدِ أَعْظَمَ مِنْ ثَوَابِ الْغَنِيِّ الَّذِي تَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَالْمِائَةُ أَلْفٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِهِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ .

 قَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَأَوْصَانِي بِأَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ أَدْبَرَتْ الْمَعْنَى أَنَّ الرَّسُولَ أَوْصَاهُ أَيْضًا بِأَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ وَإِنْ كَانَ رَحِمُهُ قَطَعَهُ، وَالرَّحِمُ هُوَ الْقَرِيبُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْرِفُ لَهُ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَعْمَلُهُ مَعَهُ، لَوْ كَانَ رَحِمُهُ يُسِيءُ إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ وَلاَ يَنْقَطِعَ عَنْ مُعَامَلَتِهِ بِالإِحْسَانِ فَيَكُونَ أَجْرُهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ، لأَِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْمَلَ مَعْرُوفًا مَعَ الَّذِي يَعْمَلُ مَعَهُ الْمَعْرُوفَ وَمَعَ الَّذِي لاَ يَعْمَلُ مَعَهُ مَعْرُوفًا. فَالَّذِي يُحْسِنُ إِلَى رَحِمِهِ الَّذِي يُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُ أَجْرُهُ أَقَلُّ مِنَ الإِحْسَانِ إِلَى الَّذِي لاَ يُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُ لأَِنَّ هَذَا فِيهِ كَسْرٌ لِلنَّفْسِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَاللهُ يُحِبُّ ذَلِكَ، فَمَنْ خَالَفَ نَفْسَهُ فَأَحْسَنَ إِلَى رَحِمِهِ الَّذِي يَقْطَعُهُ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ.

قَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا الْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقُولَ قَوْلَ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُحِبُّ وَعِنْدَ مَنْ لاَ يُحِبُّ هَذَا الْحَقَّ.

قَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَأَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَرَدَ فِيهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ثَوَابٌ وَنَفْعٌ كَبِيرٌ، وَأَمَّا ثَوَابُهَا فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا كَنْزٌ تَحْتَ الْعَرْشِ أَيْ ذُخْرٌ كَبِيرٌ مِنَ الثَّوَابِ يَدَّخِرُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الشَّرِيفَةَ، يَدَّخِرُهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ ، يَكُونُ مَحْفُوظًا تَحْتَ الْعَرْشِ. فَأَمَّا فَائِدَتُهَا فَهِيَ أَنَّهَا تُزِيلُ الْهَمَّ ، إِذَا إِنْسَانٌ مُصَابٌ بِالْهَمِّ فَمِنْ أَفْضَلِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَيْضًا تَنْفَعُ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ حَتَّى صَارَ فِي نَفْسِهِ وَحْشَةٌ وَضِيقٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادَ يُصَابُ بِالْجُنُونِ، هَذِهِ تُفِيدُهُ بِإِذْنِ اللهِ، إِنْ وَاظَبَ وَثَبَتَ عَلَيْهَا فَلاَ بُدَّ أَنْ يَرَى الْفَرَجَ وَيَنْقَلِبَ عُسْرُهُ يُسْرًا، اللهُ تَعَالَى جَعَلَ لَهَا سِرًّا كَبِيرًا وَنَفْعًا عَظِيمًا فَزَوَالُ الْهَمِّ مِنْ إِحْدَى فَوَائِدِهَا، فَائِدَةٌ مِنْ عَشَرَاتِ الْفَوَائِدِ.

 وَأَمَّا مَعْنَاهَا تَوْحِيدٌ وَهُوَ أَنَّهُ لاَ أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ وَالطَّاعَةَ إِلاَّ بِعَوْنِ اللهِ وَأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْتَصِمَ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ بِحِفْظِ اللهِ، فَمَهْمَا كَانَ الإِنْسَانُ نَشِيطًا فِي عَمَلِ الْخَيْرِ فَإِنَّ هَذَا النَّشَاطَ هُوَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ تَعَالَى، مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ لِلْخَيْرِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَلاَ يَأْخُذْهُ الْعُجْبُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ، فَلَوْلاَ تَقْدِيرُ اللهِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ فَإِنْ لاَحَظَ أَنَّ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي يَعْمَلُهُ هُوَ بِتَقْدِيرِ اللهِ ابْتَعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ حَالِ الْمُخْلِصِينَ لأَِنَّ الَّذِي  يَعْمَلُ عَمَلاً مِنَ الْحَسَنَاتِ بنِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ لَيْسَ فِيهَا رِيَاءٌ فَالْقَلِيلُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى يُجَازِيهِ بِالْكَثِيرِ، ذَاكَ الَّذِي أَعْطَى دِرْهَمًا لَوْلاَ شِدَّةُ يَقِينِِهِ وَإِخْلاَصِهِ للهِ تَعَالَى وَهُوَ نِصْفُ مَا يَمْلِكُ وَتَخَلَّى عَنْهُ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، فَاللهُ جَعَلَ ثَوَابَ هَذَا الدِّرْهَمِ أَفْضَلَ مِنْ ثَوَابِ هَذَا الَّذِي تَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَالْفِعْلُ عَلَى حَسَبِ مَا يُتْقِنُهُ الْمُسْلِمُ يَكُونُ ثَوَابُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى كَبِيرًا، الإِخْلاَصُ أَصْلُهُ الإِتْقَانُ وَالشَّأْنُ فِي حُسْنِ النِّيَّةِ لِذَلِكَ عَظَّمَ رَسُولُ اللهِ أَمْرَ النِّيَّةِ فَقَالَ: لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى الْعَمَلُ الْقَلِيلُ الَّذِي فِيهِ إِخْلاَصٌ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِخْلاَصٌ.

فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ تَهْذِيبٌ لِلنُّفُوسِ بِحَيْثُ إِنَّ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي مَحَبَّةِ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالرَّغْبَةِ فِي تَقْرِيبِهِمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، كَذَلِكَ الرَّسُولُ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْ يُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَقَدْ طَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ أَيِ الْمُتَوَاضِعِينَ لأَِنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يَحْشُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى أَمْثَالَ الذَّرِّ أَيِ النَّمْلِ الأَحْمَرِ فِي صُورَةِ رِجَالٍ صِغَارٍ أَذِلاَّءَ، أَهْلُ اللهِ لاَ يُحِبُّونَ الْمُتَكَبِّرِينَ بَلْ يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ مُنْكَسِرَةٌ للهِ تَعَالَى، الرَّسُولُ طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ

هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ

الْخُطبةُ الثانيةُ  :          

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ. عِبادَ اللَّهِ أُوصِيْ نَفْسِيَ وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.

    وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَريِمِ فَقَالَ  ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَآ أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا اللَّـهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ علَى سَيّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (سُورَةَ الْحَجِّ)، اللَّـهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّـهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّـهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّـهُمَّ اجْعَلْنا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلاَ مُضِلِّينَ اللَّـهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.        

    عِبادَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ .

 

 

< Previous Post

المعاصي لها شؤمٌ والتحذيرُ من تتبع العورات

Next Post >

الحذر من الغفلة وأهلها

Darulfatwa

35 Brancourt Ave,
Bankstown NSW 2200

P: +612 9793 3330
F: +612 9793 3103
info@darulfatwa.org.au

Darulfatwa World Map