بسم الله الرحمن الرحيم
إن زين الشهور شهر رمضان إنه شهر الخير والرحمة، وشهر الصبر والبركة، وشهر النصر والبطولة، وشهر الجد والطاعة، وشهر نزلت فيه كتب هادية، واستقبلت فيه الأمة من صار لها مدرسةً راسخة، وودعت فيه من كان لها قدوة صالحة. شهر نأخذ من تاريخه الإسلامي العبرة والحكمة، حيث تعددت فيه على مرّ العصور أحداث جليلة.
- في أول ليلة من شهر رمضان أُنزلت صحفُ إبراهيم على سيدنا إبراهيم عليه السلام.
كنوز أنزلت من السماء في أول ليلة من هذا الشهر العظيم
لقد أنزل الله تعالَى على أنبيائه كُتُبًا وصُحُفًا في المواعظ والحِكَم وبيان الشرائع والأحكام وقد جاءت كلُّها بدين الإسلام والدعوة إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخِرة، وعِدّة هذه الكُتُب مائة وأربعة كما أخبر بذلك النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان وغيره، منها عشر صحائف أنزلها الله تعالى على إبراهيم، هي أمثال أي مواعظ وعبر ليس فيها أحكام شرعية كالقرءان، وقد أنزلت أولَ ليلة من رمضان كما جاء في مسند الإمام أحمد. فمما جاء في هذه الصحف: …. وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ (بالصلاة والذكر) وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ (أي يتفكر في نفسه هل أديت كل ما افترض الله علي؟ هل اجنتبت كل ما نهى الله عنه؟ ليتدارك نفسه بالتوبة) وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ الله (أي في حال نفسه وفي حال هذه الأرض التي يعيش عليها وفي حال العالم العلوي السماء والنجوم، فإن في هذا التفكر زيادةَ اليقين بكمال قدرة الله، وفي ذلك تقوية الإيمان وفي ذلك محبة الله وغير ذلك من الفوائد) وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ من الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ (ساعة يأكل فيها ويشرب) …. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ (ليحذر الأشياء التي تؤذي) مُقْبِلا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ وَمَنْ حَسَبَ (أي عدّ) كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ (أي مَن علِم أنّ كلامَه يُكتَب كمَا أنّ عمَلَه يُكتَب لا يتَكلَّم كثيرًا إنما يُقَلّل الكلام).
هَذه الجُمَلُ التي هيَ في صُحُفِ إبراهيمَ التي جاءت روايتها عن رسول الله ﷺ فيها نصَائحُ كَبِيرَة مَن عَمِلَ بها استَفادَ لآخِرَتِه وفي دُنيَاه، اللهم اجعلنا من الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فيَتّبِعُون أحْسَنَهُ.
- في الثاني من شهر رمضان عام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرين للهجرة توفي العالم الحافظ الشيخ عبد الله الهرري رضي الله عنه.
رب همة أنقذت أمة
رحم الله رجلًا عاش لله، وعلّم لله، ودعا إلى الله، رحم الله العلّامة الزاهد العابد الجهبذ الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن جامع الشيبي العبدري القرشي نسبا الهرري موطنا الدمشقيّ ثم البيروتيّ إقامة المعروف بالحبشي، الذي برع في شتى الفنون وجمع بين نور العلم وصفاء القلب، وبين قوّة الحجة وصدق التوجه إلى الله.
نشأ في بيت متواضع محبا للعلم وأهله في هرر، حفظ القرءان في صغره وكذلك الحديث والمتون المعروفة، وتعلم علم الدين من بعض علماء بلده وما جاورها على طريقة العلماء، بل جال في أنحاء الحبشة يتتبع علماءها ويأخذ منهم فأجيز بالفتوى ورواية الحديث وهو دون الثامنة عشرة. وكان من مشايخه الكثيرين الشيخ محمد بن عبد السلام والمحدّث مفتي الحبشة محمد سراج الجبرتي. كان سهلا هينًا لينًا حكيمًا في معاملة الناس ولكنه في الوقت نفسه كان وَقّافا عند حدودِ الشريعةِ أمَّارا بالمعروفِ نَهَّاءً عن المنكر لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، ولا يداهن على حساب الدين، كان يدافع عن حقوق المسلمين وعن مدارسهم وعن مساجدهم من طاغية الحبشة الأسبق المدعوّ “هيلا سيلاسي” ولذلك ضايقه الطاغية ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ثم تمكن من الخروج من أثيوبيا ففعل، كما بيّنه رئيس جمعية البِرّ الآنّيّة للدعوة والدراسات الدينية في رايّه وغيرُه، ثم مكث في الحجاز سنتين كان في مكة أولا ثم ذهب إلى المدينة المنورة، وبعد ذلك ذهب إلى بيت المقدس قبل أن يحتله اليهود ثم توجه إلى دمشق وسكنها نحوًا من عشرين سنة ثم تنقل بين بلاد الشام إلى أن استقر ءاخرا في بيروت.
ومدحه علماء عصره في بلاد الشام والمغرب والهند وتركيا ومصر واليمن وداغستان والشيشان وغيرها كثير. وُضع له القبول بين الناس، وانتشرت مؤلفاته، وأقبلَ عليه الطلبة فأحيا اللهُ به سوقَ العلمِ وتخرج عليه مشايخ عديدون نشروا علم أهل السنة في أنحاء المعمورة. اشتد عليه المرض فألزمه البيت بضعة أشهر حتى توفاه الله فجر الثلاثاء في الثاني من شهر رمضان سنة 1429هـ وكانت سنة 2008ر. وبوفاته فقد المسلمون ركنًا من أركان العلم والإرشاد ونزل به الإسناد درجة.
رضي الله عن الشيخ عبد الله الهرري وأعلى في الجنة منزلَه، الذي جاهد بالبيان والبرهان الذي صدق فيه قول القائل: رب همة أنقذت أمة.
- في الثالث من شهر رمضان في السنة الحاديةَ عشرةَ بعد الهجرة توفيت ابنة النبي ﷺ فاطمة الزهراء.
فقدت الأمة “البَضْعَة النبوية” في مثل هذا اليوم
في مثل هذا اليوم فقدت الأمة البَضْعَة النَّبَوِيَّة وهي أُمُّ الحَسَنَيْنِ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ هذه الأمة بِنْتُ سَيِّدِ الخَلْقِ رَسُوْلِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ بنتُ أم المؤمنين السيدةِ خديجةَ القُرَشِيَّةُ الهَاشِمِيَّةُ التي منها كان نسل رسول الله ﷺ التي لقبت بالزهراء لإشراقِ وجهِها لحُسنِها.
روى البخاري في الأدب المفرد وغيرُه عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَانَ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَلَامًا وَلَا حَدِيثًا وَلَا جِلْسَةً مِنْ فَاطِمَةَ، قَالَتْ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَءاهَا قَدْ أَقْبَلَتْ رَحَّبَ بِهَا، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهَا حَتَّى يُجْلِسَهَا فِي مَكَانِهِ، وَكَانَتْ إِذَا أَتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ رَحَّبَتْ بِهِ، ثُمَّ قَامَتْ إِلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ، وإنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَرَحَّبَ وَقَبَّلَهَا، وَأَسَرَّ إِلَيْهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لِلنِّسَاءِ: إِنْ كُنْتُ لَأَرَى لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فَضْلًا عَلَى النِّسَاءِ، فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ، بَيْنَا هِيَ تَبْكِي إِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَسَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذًا لَبَذِرَةٌ (البَذِرة: التي تُفشي السرّ وتُظهر ما تَسمعه)، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ، (سألتُها) فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ فَقَالَ: إِنِّي مَيِّتٌ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيَّ فَقَالَ: إِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي بِي لُحُوقًا، فَسُرِرْتُ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَنِي.
صدق رسول الله ﷺ فقد توفيت بعد وفاته بستة أشهر، حيث توفيت لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة، رضي الله عنها وأرضاها.
- في الرابع من شهر رمضان فتح المسلمون أنطاكية.
ما سلم منها مخبِر
في اليوم الرابع من رمضان أشرق تاريخ الأمة بنصرٍ جديد، حيث أظهر الله فيه قوة الإسلام وعزته على يد الظاهر بيبرس وجنده. ففِي مستهَل جمادي الْآخِرَة أي أولها مِنْ سنة سِتمِائَة وسِتّ وَسِتِّينَ توجه الْملك الظَّاهِر بِيبَرس بعساكره المتوافرة إِلَى الشَّام وَفتح يافا فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الشَّهْر ثمَّ سَار ونزل ببلاد عديدة في طريقه حتى وصل مع العسكر إلى أنطاكية وهي مدينة عظيمة وفي داخلها جبلٌ وأشجارٌ ووحوش، ومياه تجري، وفواكهُ مختلفة، نازلها مستهَل رَمَضَان فخرجت عساكرها للمبارزة فكسروا، وتناصروا فما نصروا، ثم خرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا أشياء فأبى أن يجيبهم وردَّهم خائبين وصمَّم على حصارها، ثم تقدَّمت إليها العساكر الإسلامية، وأطافت بالمدينة والقلع، فافتتحوها وملكوها يَوْم السبت رَابِع رَمَضَان مِنْهَا وتخلّص منها خلق كثير من أسرى المسلمين من حلب وغيرها وكان صاحب أنطاكية قد اعتمد في حق المسلمين من أهل حلب والشام، عند استيلاء التتار على البلاد، كل فعل مذموم وأمر قبيح من القتل والأسر والسبي والنهب، فانتقم الله عز وجل منه. ثم وقيل إنه لو حلف الحالف أن ما سلم من أهل مدينة أنطاكية مخبر من رجالهم لما حنث في يمينه، وصاحب أنطاكية لم يكن فيها وقتها وإنما عرف بالخبر بمكاتبة من المسلمين وكانت عليه أشدّ الأشياء ولم يبلغه خبر أنطاكية إلا من هذا الكتاب.
قال المفسرون هذه أنطاكية هي التي ذكرها الله في القرءان الكريم بقوله في سورة يس: ( وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ) 13.
اللهم اجعل أيام رمضان لنا نورا ونصرا وعزا، واغفر لنا ولوالدينا ولعامة المسلمين والمسلمات.
- في الخامس من شهر رمضان ولد أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضا
شاب جواد من نسل المصطفى
في مثل هذا اليوم ولد من ءال بيت النبوة من ذرية رسول الله ﷺ أبو جعفر محمد الجواد بن عليّ الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. كان رحمه الله على منهاج أبيه في العلم والتقوى والكرم، وكان يلقَّب بالجَوَاد والقانع والمرتضَى. كانت ولادته في الخامس من شهر رمضان سنة مائة وخمس وتسعين من الهجرة.
قدم من مدينة رسول الله ﷺ إلى بغداد ومعه زوجته أم الفضل بنت المأمون، فتوفي في بغداد شابّا له خمسٌ وعشرون سنة، سنة مائتين وعشرين، ودفن في مقابر قريش عند جده موسى بن جعفر.
ومما نُقل عنه قوله: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة. وكذلك جاء أنه روى عن أبيه علي عن أبيه موسى عن ءابائه عن علي قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فقال لي وهو يوصيني: يا علي ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، يا علي عليك بالدُّلْجَة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي اغد باسم الله فإن الله بارك لأمتي في بكورها.
فنسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا ممَّن يقتدون بأهلِ بيتِ نبيِّه في العلمِ والعمل.
- في السادس من شهر رمضان أُنزلت التوراة على سيدنا موسى عليه السلام
تخيل أنك تعيش لحظة نزول كتاب من السماء
دين الله سبحانه واحد هو الإسلام، كل الأنبياء دعوا إلى الإسلام ولم يحصل بينهم اختلاف في ذلك الأصل، إنما الذي حصل فيه اختلاف هو شَرائعُهم أي الأحكام التي تنزل بالوحي، فكانت بعض الأحكام تختلف أما الأصل التوحيد فلا. وكان العَملُ بتلكَ الشّرائع في أيّامها واجبا، لكن كلها انتَسَخَت بشَريعَة محمَّد ﷺ، شريعةُ محمَّد هيَ النّافِذَة التي يجبُ على الجِنّ والإنس تَنفيذُها وتَطبيقُها والعَملُ بها، فقبلَ أن يُبعَث محمَّدٌ ﷺ كان الواجبَ أن يُعمَل بشريعَة عيسَى وقَبلَ أن يُبعَث عيسَى عليه السَّلام شريعةُ موسَى هي كانت واجبَةَ العَملِ بها، كانَ فرضا اتّباعُها، وهي شَريعَة التّوراة، وهكذا. وقد أنزل الله التوراة على نبيّه موسى عليه السلام لست مضين من شهر رمضان المبارك باللغة العبرانية بعد أن أنزل عليه قبلها عشر صحفٍ تََفيضُ بالحكمة والموعظة. كانت التوراة الأصلية فيها أوامر ونواه، فيها الدعوة إلى التوحيد والعدل، فيها الدعوة إلى لا إله إلا الله. قال تعالى: (إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ ). لكنّ ما بين أيدي الناس اليوم ليست هي التي أنزلها الله، فقد غُيِّرت وحرّفت. فمما في التوراة الأصلية ألا يُشركوا بالله شيئًا، وألا يقتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ وألا يسرقوا، وألا يزنوا، وألا يمشوا ببريء إلى ذي سلطانٍ ليقتله، وألا يأكلوا الربا، وألا يقذفوا محصنة. وكذلك ورد في التوراة الأصلية وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى موسى وسلم.
اللهم يا ولي الإسلام وأهلِه ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به ولا تعذبنا في النار.
- في السابع من شهر رمضان تم الفراغ من بناء الجامع الأزهر الشريف
أول جَامع وضع للناس بالقاهرة
أرض مصر فتحت نحو سنة عشرين من الهجرة وكان أوّلَ مسجد أسّس بديار مصر بعد فتحها «جامعُ عمرو بن العاص» ويقال له «الجامع العتيق» وذلك بمدينة الفُسطاط. وأما في حدود القاهرة القديمة فأول جَامع وضع للناس فيها الجامع الأزهر وقد فُرغ من بنائه في السابع من شهر رمضان سنة ثلاثمائة وإحدى وستين للهجرة. ثم تسلَّم القاهرةَ النَّاصِرُ صَلَاح الدَّين يُوسُف بْن أَيُّوب رحمه الله فِي سنة خمسمائة وسبع وَسِتِّينَ فصيّرها مَدِينَة للعامة وتراجع الْعلم إِلَيْهَا وذاع صيتها حَتَّى صَارَت من أعظم مدن الدُّنْيَا فإنه اجْتمع فِيها من الْفُنُون والفضائل مَا اجْتمع، وَخرج مِنْهَا فِي كُل فن وَعلم وَمذهب خلقٌ لَا يُحصونَ كَثْرَة جديرون بإفرادهم فِي تأليف وَسمع بِهَا أمم كما ذكر السّخاوي.
فيُعَدُّ الأزهر الشريف من أعرق المؤسسات الدينية في العالَم الإسلامي، وقد ذاعت فيه تعاليم الدين الحنيفِ القائمةُ على الوسطية والاعتدال، وانشرت فيه العقيدة السّنيّة عقيدة الأشاعرة والماتريدية فقد قال شيخ الجامع الأزهر سليم البِشْري: «اعلم أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمعَ السُّنّيون أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث، مخالِف لها في جميع سمات الحدوث ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان كما دلت على ذلك البراهين القطعية». وازداد تأثير الأزهر الشريف عمقًا من خلال دعوته العالَمية، إذ استقبل طلاب العلم من مختلف الجنسيات والثقافات وقام بتعليم شتى الفنون الإسلامية كالفقه والتفسير والحديث واللغة العربية، فتخرج فيه ءالاف العلماء والدعاة الذين حملوا دعوة الإسلام إلى مختلف بقاع العالم.
ربنا بارك في أهل العلم، وانفع بعلمهم العباد والبلاد، وءاتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
- في الثامن من شهر رمضان ولد جعفر الصادق.
بين نسبٍ إلى عليٍّ ونسبٍ إلى أبي بكر
في مثل هذا اليوم نذكر إماما عالما من أهل بيت النبوة، هو أبو عبد الله جعفر الصادق بنُ محمدٍ الباقر بنِ عليٍّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميُّ المدنيّ رضي الله عنهم. كان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا وكان يلقّب بالصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه الصادق لقب به لصدقه في مقاله. كانت ولادته سنة ثمانين للهجرة وقيل: بل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس ثامن شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين.
كان نسبه رحمه الله يرجع من جهة أبيه إلى علي زوج فاطمة وأما من جهة أمه فإلى أبي بكر لكن من وجهين لأن أبا أمه وأمَّ أمه كانا حفيدَي أبي بكر، فلهذا كان جعفر يقول فيما رواه الدارقطني: «ما أرجو من شفاعة عليّ شيئًا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثلَه ولقد ولدني مرتين». تلقى العلم من أهل العلم والمعرفة فقد أخذ عن أبيه والزهري وجده لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر ووغيرهم كثير. وأخذ عنه خلق كثير كابنه موسى والإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة وأبي حنيفة، والسفيانين، وابن جريج.
قال مالك: اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصل، وإما صائم، وإما يقرأ القرءان، وما رأيته يحدّث إلا على طهارة وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله. وروى ابن سعد أن جعفر بن محمد قال لغلامه: اذهب إلى مالك بن أنس فسله عن كذا وكذا، ثم ائتني فأخبرني. كان رحمه الله موحدا منزها على عقيدة الرسول والصحابة وأهل البيت والسلف الصالح فقد روى عنه أبو القاسم القشيري والباقلاني والرفاعي وغيرهم أنه قال: من زعم أن الله في شىء أو من شىء أو على شىء فقد أشرك إذ لو كان على شىء لكان محمولا ولو كان في شىء لكان محصورا ولو كان من شىء لكان محدثا.
وله أيضا كتابٌ في الرد على القدرية وكتابٌ في الرد على الخوارج وهو الذي قال أرادتِ المعتزلةُ أن توحّد ربها فألحدتْ. ويقال إنه سُمَّ، فما زال مريضًا حتَّى توفي رحمة الله عليه في شوال سنة مائة وثمان وأربعين بالمدينة، وَهُوَ ابن ثَمَان وَسِتِّينَ ودفن بالبقيع عند قبر أبيه وجده رضي الله عنهم.
ونختم بما قد جاء من دعائه:
اللهم أعزني بطاعتك، ولا تخزني بمعصيتك، اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك بما وسعت عليّ من فضلك.
- في التاسع من شهر رمضان توفي أبو صالح النيسابوري.
خرّج ألفَ حَدِيث عَن ألف شيخ لَهُ
في مثل هذا اليوم ودعت الأمة علما من أعلام خراسان، وهو الحافظ أبو صالح النيسابوري أحمد بن عبد الملك المؤذن الأمين المتقن الثقة الصوفي مُحدث وقته بخراسان ونسيج وحده في طريقته وجمعه وإفادته.
كان رحمه الله حفظ القرءان وهو ابن نحو تسع سنين. وكان كثير السماع، واسع الرواية، وكتب الكثير بخطه. أخذ عن كثيرين بدمشق وبغداد وخراسان منهم أبو عبد الله الْحَاكِم وأبو نعيم الإسفرايِنيّ. وصحب مشايخ الصوفية ولقي الأستاذ أبي بكر بن فورك. سمع الكثير حتى قيل خرّج ألفَ حَدِيث عَن ألف شيخ لَهُ. كان يؤذن على منارة المدرسة البيهقية سنين احتسابا، ووعظ المسلمين وذكرهم الأذكار في الليالي. وسعى في الخيرات وكان يأخذ صدقات يوصلها إلى ذوي الحاجات. وكان يقيم مجالس الحديث ويَذُبُّ الكَذِب عن حَدِيث رسُول الله ﷺ حتى قيل: ما يقدر أحد أن يكذب في هذه البلدة أي نيسابور وأبو صالح المُؤذِّنُ حي.
وكان قد سأل الله بمكة أن لا يقبضه إلّا في شهر رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب تفرغ للعبادة إلى أن يخرج شهر رمضان. وقد توفي وعمره فوق الثمانين يوم الاثنين في التاسع من شهر رمضان سنة أربعمائة وسبعين.
وجاء أنه رءاه بعض الصالحين في النَّوْم ليلة وفاته، وكأن النبي ﷺ قد أخذ بيده، وقال له: جزاك الله عني خيرا، فنعم ما أقمت بحقي، ونعم ما أديت من قولي، ونشرت من سنتي.
اللهم اجزه خير الجزاء واجعلنا من العلماء العاملين المخلصين.
- في العاشر من رمضان في السنة الثامنة للهجرة كان الخروج لفتح مكة.
إن النصر مع الصبر، وإن الفرَج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا
إنَّ في ءاياتِ القرءانِ الكريم وسيرةِ نبيِّ اللهِ العظيمِ لَدُرُوسًا وعِبَرًا، فكُلُّنا يعلَمُ شيئا من شِدَّة ما قاسَاه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام وأصحابُه في أولِ البِعْثةِ مِنَ المشاقِّ والإيذاءِ والنَّصَبِ في نَشرِ دينِ الحقِّ ونُصْرَتِهِ، وكمْ عانَوا في الثَّباتِ على الحقِّ منَ البَلايا والمِحَنِ مَعَ قِلَّةِ عدَدِهم وكَثرةِ أعدائِهم مالًا ورِجالًا. لكن بعد كل هذا جاءَ النصرُ والفَتحُ.
بعد أن ترَك النبي ﷺ مكة وخرَج إلى المدينة كانت مكّة في أيدي الكفّار في أيدي المشركين ثمانيَ سنوات حتى خرج ﷺ إلى مكّة في العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة بجيش يبلُغ عدده عشَرة ءالاف ففتح مكّة في هذا الشهر، نصرَ اللهُ نبِيّه محمَّدًا وهزَم الأحزاب. لما فَتَحَ رسولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قالَتِ العَرَبُ أَمَّا إِذ ظَفِرَ مُحَمَّدٌ بِأَهْلِ الْحَرَمِ وَقَدْ كَانَ اللهُ أَجَارَهُمُ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيل فَلَيْسَ لَكُمْ بِهِ يَدَانِ، أي طاقة، فدَخَلُوا في دِيْنِ اللهِ أفواجًا. وذلكَ قولُه تعالى {إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا} النَّصْرُ العَون، وأمَّا الفَتْحُ فهو فَتْحُ مَكَّة، يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا أي جماعاتٍ كثيرةً فوجًا بعدَ فوجٍ بعدَما كانُوا يدخُلونَ في الإسلامِ واحِدًا واحِدًا، أو اثنين اثنين. جاءَ الفرَجُ بعدَ الصبرِ، وإن الفَرَجَ معَ الصبر، واللهُ تبارك وتعالى معَ الصابرينَ بالنُّصْرةِ والحِفظِ والإكرام، فلا يَنبغي للواحدِ منَّا أن تَثْنِيَهِ المصاعبُ والمشاقُّ في الدعوةِ إلى الحقِّ عنِ الثباتِ والـمُضِيِّ قُدُمًا في نشرِ عقيدةِ رسولِ الله ﷺ، ونشرِ الخيرِ بينَ الناسِ في الوطنِ وخارجَه، لعلَّ اللهَ يجعلُ منْ صبرِنا فتحًا وفرَجًا ويُؤتيْنا يومَ القيامةِ ذُخْرًا فضْلا منه وكرَمًا.


