الإمام السيّد أحمد الرّفاعيّ رضي الله عنه وأرضاه

إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِ الله فلا مُضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لـه وأشهدُ أنّ محمّدًا عبدُه ورسوله مَن بعثَه اللهُ رحمةً للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرًا بلّغَ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونَصَحَ الأُمّةَ فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزَى نبيًّا مِن أنبيائِه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعَلى كلِّ رَسولٍ أَرْسَلَه.

أما بعدُ، فَيَا عبادَ الله أوصيكُم ونفسي بتقوى اللهِ العليّ العظيمِ، القائلِ في محكمِ التنْزيل:" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ " (فُصّلت 30-32).

إخوةَ الإيمانِ والإسلام، الكيّسُ مَن خافَ ربَّهُ ودانَ نفسَه وعمِلَ لما بعدَ الموت، أخِي عليكَ بملازمَةِ الشَّرعِ، بأمرِ الظاهرِ والباطنِ، وبحفظِ القلبِ مِن نسيانِ ذِكْرِ الله، وبخدمةِ الفُقراءِ، وبادِرْ دائمًا بالسُّرعةِ للعمَلِ الصالحِ مِن غَيرِ كَسَلٍ ولا مَلَل. هِمَّةُ أبناءِ الدُّنيا دُنياهُم، وهِمَّةُ أبناءِ الآخرةِ ءاخِرتُهُم، عامِلُوا اللهَ بالتَّقْوَى، وعامِلُوا الخَلْقَ بالصّدقِ وحُسنِ الخُلُق، عامِلُوا أنفسَكم بالمخالفة، وقِفُوا عندَ حدودِ الشرع، الدّينُ عملٌ بالأوامِر، واجتنابٌ عنِ النواهي، وخضوعٌ وانكسارٌ في الأمرين، العملُ بالأوامرِ يقربُ إلى الله، والاجتنابُ عنِ النواهي خوفٌ من الله، طلبُ القُربِ بلا عملٍ محالٌ وأيُّ محال، اطلبُوا تقوى اللهِ بمتابعةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم.

بمثلِ هذهِ العباراتِ الجميلةِ العظيمةِ، كانَ يَعِظُ أحبابَه، إنهُ أعْلَمُ أهلِ زمانِه حتى قِيلَ إنّهُ بلغَ درجةَ الاجتهادِ المطلَق، شافعيُّ المذهب، أشعريُّ العقيدة، كانَ يُضربُ بهِ المثَلُ في التواضعِ ولِيْنِ الجانبِ، ورحمةِ الناسِ والشَّفَقَةِ عليهم، إنَّهُ الإمامُ أبو العبَّاسِ القطبُ الغَوثُ الجامِعُ الشَّيخُ السَّيّدُ أحمدُ بنُ عليّ الرّفاعيُّ الحُسَيْنِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْه وَأَرْضَاه.

إخوة الإيمان والإسلام، كان الإمام أحمدُ الرفاعيُّ الكبيرُ رضيَ الله عنه مُتمكنًا في الدّينِ سَهْلاً على المسلمينَ صَعْبًا على الضَّالّين، هَيّنًا لَيّنًا، كريمَ الخُلُقِ حُلْوَ المكالَمَةِ لَطِيفَ الـمُعَاشرةِ، لا يَمَلُّهُ جَلِيسُهُ، ولا يَنْصَرِفُ عن مَجَالِسِهِ إلا لِعِبَادَة، حَمُولًا للأَذَى، وَفِيًّا إذَا عَاهَدَ، صَبُورًا على المكارِه، أولياءُ عَصْرِهِ كانوا يقولونَ عَنْهُ أجَلَّ الأولياءِ قَدْرًا. بَحْرًا مِنْ بحارِ الشَّرْعِ، سَيْفًا مِن سُيُوفِ اللهِ، وارِثًا أخلاقَ جَدّهِ المصطفى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

كانَ لهُ خالٌ مِنَ الأَوْلياءِ يُقَالُ لَهُ الشيخُ منصورٌ البَطَائِحِيُّ، رَأَى رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم في المنامِ، فقالَ لهُ بَشّرْ أُخْتَكَ بأنّها سَتَحْمِلُ بَعْدَ أَربعينَ لَيْلَةً بولدٍ يكونُ سَيّدَ الأولياء، كمَا أنا سيّدُ الأنبياء. فَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ بَعدَ أربعينَ ليلةً ثم وَلَدَتْه، ونشأَ نَشأةً صالحةً طَيّبَةً حتى صارَ أَتْقَى أهلِ زَمَانِهِ وأَعْلَمَهُم بالقرءانِ الكريمِ والحديثِ الشَّريف. جَلَسَ يَومًا على كرسِيّ الوَعْظِ فنَزَلَتِ الرَّحْمَةُ، وَرَقَّتِ القُلوبُ فأسلَمَ ثمانيةُ ءالافٍ، وتابَ خَلقٌ كثيرٌ، أربعونَ ألفًا مِن جُهَّالِ المسلميَن الغَافِلين، ومَاتَ خمسةُ أشخاصٍ مِن شِدّةِ مَا أَصَابَهُم مِنَ الخَشْيَةِ مِنَ الله.

وكانَ سيّدُنَا أحمدُ الرفاعيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسَمَّى شيخَ العُريجاءِ، لأنَّهُ مرةً ذَهَبَ إلى قريةٍ لهُ فيها أتباعٌ مِنْ أهلِ طَرِيقتِه فاستقبَلُوهُ، الرجالُ والنساءُ، وكان فيما بينَهم بنتٌ صغيرةٌ حَدْباءٌ عَرجاءٌ قرعاءٌ وكانَتْ تسمعُ مِن أمِها بِهِ، لأنَّ أمَّها كانتْ مِن جماعةِ الشيخِ فلمّا رأتِ الشيخَ قالتْ سيّدِي بناتُ القرية يَسْتَهْزِئنَ بِي فَكَرِهت نَفْسِي مِن ذلك، فدَعَا اللهَ تعالى لها ومسحَ مواضِعَ العِلّةِ فاستقامَ ظهرُها وتعافَتْ رجلُها ونَبَتَ شَعرُها في الحال بمشيئة اللهِ تعالى.

ومن كراماتِه التي أكرمَهُ الله تعالى بها، أنَّهُ عامَ حَجّهِ الأوّلِ سنَةَ خمسٍ وخمسينَ وخمسمائةٍ لَمَّا وصَلَ المدينةَ المعطَّرةَ، وَتَشَرَّفَ بزيارةِ جَدّهِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقَفَ تُجَاهَ القبرِ الشَّريفِ وقال: السَّلامُ عليكَ يا جَدّي، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ القَبْرِ، مِنْ قَبْرِهِ الشريفِ:" وعليكَ السلامُ يا وَلَدِي"، سَمِعَ ذلكَ كُلُّ مَن في الحرمِ النَّبَويِ، فَسَقَطَ السَّيّدُ أحمدُ على الأرضِ يَرْعُدُ، فَنُودِيَ مِنَ القَبْرِ الكريم على سَاكِنِهِ أفضلُ الصلواتِ والتسليم: "أَنْ قُمْ فَإِنّي ءاخِذٌ بِيَدِكَ وَبِيَدِ ذُرِّيَتِكَ وأَتْبَاعِكَ وَمُحِبِّيْكَ في الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَة" فقامَ الرّفاعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ وأنشَد:

في حالةِ البُعْدِ رُوحِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا تُـــقَبّـــلُ الأرضَ عَـنّـي وهْــيَ نــائِــبَــتِــــي

وَهَذهِ دَوْلَةُ الأشباحِ قَدْ حَضَـــــــرَتْ             فَامْدُدْ يَمِيْنَكَ كَي تحظَى بِهَا شَفَتِي

فَبَدَأَتِ الأنوارُ في المقامِ تتلاطَمُ، ومَدَّ جَدُّهُ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ يدَهُ فَقَبَّلَهَا والحاضرونَ يَنْظُرُون.

وهذه الحادثة إخوةَ الإيمان، ثابتةٌ صحيحة، رواها الإمامُ الرافعيُّ الشافعيّ في كتابِ سَوادِ العَينين، وأثبتها أيضا العلامةُ أحمدٌ القشاشي الأنصاري في كتاب الدُّرَّةِ الثَّمينة، وكذا أثبتها وصحّحَها خَلْقٌ كثيرٌ منَ الحفّاظ والمحدثينِ والعارفين، يضيقُ الوقتُ عن ذكرها، حتى إنَّ الحافظ السُّيوطيَّ ساقَ إسنادَ هذه القصةِ من عدّةِ طُرُقٍ ثم قال: "ومنَ المعلومِ أنَّ هذه المنقبةَ المباركةَ بلغتْ بينَ المسلمينَ مبلغَ التواترِ وعَلَتْ أسانيدُها وصحّت رواياتُها واتفقَ رواتها، وإنكارُها منْ شوائبِ النفاقِ معاذَ الله".

إخوة الإيمان، كانَ الإمام الرفاعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ يهتمُّ بالتوحيدِ، ومِن مقالاتِهِ المشهورةِ "غايةُ المَعرفةِ باللهِ الإيقانُ بِوُجُودِهِ تَعَالى بلا كَيْفٍ ولا مَكَان". وكانَ يُحذّرُ منَ الذينَ يدّعونَ التصوفَ ويقولونَ اللهُ يدخُلُ في العالمِ أو يقولونَ اللهُ والعالمُ شىءٌ واحدٌ والعياذ بالله. وكانَ يُحذّرُ مِن صوفيةِ الرّجسِ أدعياءِ الولايةِ وهم غيرُ صادقين فقال:" أَيْ بُنَيَّ أَكْثَرُ مَن يَدّعِي التصوّفَ اليومَ زنادقةٌ وحُلوليةٌ ومُبتدعة".

ومن جملة ما قالَ في تفسيرِ الاستواء، وأنَّ اللهَ لا يوصفُ بصفاتِ المخلوقين من جلوسٍ واستقرارٍ ما نصه: "طهِّروا عقائدَكم منْ تفسيرِ الاستواءِ في حقِه تعالى بالاستقرارِ كاستواءِ الأجسامِ على الأجسـامِ المستلزمِ للحُلول، تعالى اللهُ عن ذلك، وإيـاكـُم والقـولَ بالفوقِيَّةِ والسُّفليَّةِ والمَكان".

إخوةَ الإيمان والإسلام، كانَ الإمامُ أحمدُ الرفاعيُّ الكبير رضي الله عنه متواضعًا في نفسِه خافِضًا جَناحَهُ لإخوانِهِ، غيرَ مُتَرَفّعٍ وغيرَ مُتكبّرٍ عَليهم، ورُويَ عنهُ أنَّه قال: "سَلَكتُ كُلَّ الطُّرُقِ الموصِلَةِ، فمَا رَأَيْتُ أقربَ ولا أسهلَ ولا أصلحَ منَ الافْتِقَارِ والذُّلِّ والانكسار". فقِيلَ له: يا سيّدي فكيفَ يكون؟ قال:" تُعَظّمُ أمرَ الله، وتُشْفِقُ على خَلْقِ الله، وتقتدِي بِسُنَّةِ سيّدِكَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم". وكانَ رضيَ الله عنه يخدِمُ نفسَه، ويخصِفُ نَعْلَه، ويجمَعُ الحطَبَ بنفسِه، ويحملُه إلى بيوتِ الأراملِ والمساكينِ وأصحابِ الحاجات، ويقضي حاجاتِ المحتاجين، ويُقَدّمُ للعميانِ نعالَهُم، ويقودُهُم إذا لَقِيَ منهُم أُناسًا إلى محلِّ مطلوبِهِم، وكانَ رضيَ اللهُ عنهُ يمشِي إلى المجذُومِيْنَ والزّمْنَى ويغسِلُ ثيابَهم ويحمِلُ لهمُ الطّعام، ويأكلُ معهُم ويجالِسُهُم ويسأَلُهمُ الدُّعَاء، وكانَ يَعُودُ المرْضَى، وإذا سَمِعَ بمريضٍ في قَرْيَةٍ ولو على بُعْدٍ يَمْضِي إليه ويعودُه. وكانَ شَفِيْقًا على خَلْقِ اللهِ يرأَفُ باليتيم. ويَبْكِي لحالِ الفُقراءِ ويَفْرحُ لِفَرَحِهِم، وكانَ يتواضَعُ كلَّ التواضُعِ للفُقراء.

عندَما بلغَ الإمامُ الرفاعيُّ السادسةَ والستين من عُمُرِه، مرضَ واستَمَرَّ مرضُه أكثرَ من شهر، وبقي رحمه اللهُ مُسْتَمِرًا وثابِتًا على تأدِيَةِ الطَّاعاتِ والعباداتِ التي اعتادَ عليها بقَدْرِ استطاعتِهِ إلى أن تُوفيَ رضيَ الله عنه، وكانَ ذلك في مِثْلِ هذا الشهرِ الذي نحنُ فيه، شهرِ جمادى الأولى سنةَ خمسِمِائةٍ وثمانٍ وسبعينَ هجرية، ودُفِنَ في بَلْدَةِ أُمِ عَبِيْدَة، وكانَ ذلكَ يومًا مَهيبا.

رحمَ اللهُ الإمامَ أحمدَ الرفاعيّ، وأَعْلَى مقامَه في الجنة، وأمدَّنا بأمدادِه، وثَبَّتَنَا على طريقَتِهِ الشَّريفة.

هذا وأستغفر الله لي ولكم

< Previous Post

المبشرات ورؤية النبي في المنام

Next Post >

التحذيرُ من الكِبْرِ والفَخْرِ وأهميةُ التواضعِ

Darulfatwa

35 Brancourt Ave,
Bankstown NSW 2200

P: +612 9793 3330
F: +612 9793 3103
info@darulfatwa.org.au

Darulfatwa World Map