إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ، [ وللهِ المثلُ الأعلى ] (سورة النحل/60) . أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره ، فلا يوصف ربنا عز وجل بصفات المخلوقين من التغيُّر والتطور والحلول في الأماكن والسكنى فوق العرش ،  تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا .

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه ، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه.

أنا يا رسول الله صبٌّ يشوقني            فأحيا على حُلْمِ الوِصالِ مُؤمِّلاً

فأنت حبيبُ الروحِ نورُ عيوننا           من القُبةِ الخضراءِ أنورُها الخضرُ

               ويَعْرو فؤادي من غرامِكَ ما يَعْرو         إذا حَلَّ يُسْرٌ أو تَغَلَّبَ عُسْرُ

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تقضي بها حاجاتنا

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تفرّج بها كرباتنا

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تكفينا بها شرّ أعدائنا

وسلِّم عليه وعلى آله سلامًا كثيرًا

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه : [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا] {النساء:31}

إخوة الإيمان، إن العبد مهما أذنب ثم تاب يغفر الله له ولو أذنب مائة مرة أو أكثر، فقد روى الحاكم بإسناد صحيح من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنّ رجلاً قال: يا رسول الله أحدُنا يذنب الذنبَ قال: "يكتب عليه" فقال ثم يستغفر ويتوب، قال: "يغفر له ويثاب عليه " أي يثاب على التوبة والاستغفار . قال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم يعود فيذنب، فأجابه صلى الله عليه وسلم: "يكتب عليه" قال أي الرجل: ثم يستغفر ويتوب، قال: "يغفر له ويثاب عليه ولا يمل الله حتى تملُّوا " .

معناه مهما تكرر الذنب من العبد ثم تاب فإن الله يغفر له، وليس معناه أن الله يتصف بالملل الذي هو ضعف الهمة بالنسبة للمخلوق لأنّ ذلك صفة الحادث أي المخلوق ، والله منَـزه عن صفات المخلوقين .

أخي المؤمن ، وأنت في شهر القرءان في شهر الرحمة والغفران تفكّر في آيات كتاب الله العزيز . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ] {غافر:2و3}

فأقبل إلى الخيرات في شهر الخيرات، أقبل إلى الأعمال التي من شأنها أن تكون سببًا في ثباتك على التوبة والتي من شأنها أن تكون سببًا في توبتك وبكائك في جوف الليل خوفًا من الله رب العالمين وحزنًا على تقصيرك، فسل نفسك أين أنا في شهر رمضان من مجالس علم الدين التي تذكرك بالآخرة ويتحدث فيها عن أهوال ومواقف يوم القيامة وعن عذاب القبر وعذاب جهنم والتي يذكر فيها سير الصالحين التوابين الخاشعين الولهين بمحبة الله .

قال الله تعالى:  [وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ] {الرعد:21} ويقول تعالى [وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ] {الرَّحمن:46} ويقول تعالى: [وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ] {إبراهيم:14}

ولقد قيل :

بكيتُ على الذنوبِ لعظمِ جُرمي   ولو كانَ البكاءُ يَردُّ همي

وحُقَّ لكلِ من يعصي البكاءُ         لأسعَدَتِ الدُّموعُ معًا دِماءُ

فعليكَ أخي المؤمن بالصبر على المصائب وعما تنْزع النفس إليه من لذةٍ وشهوةٍ لقولهِ تعالى : [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ] {البقرة:45}  وقوله تبارك وتعالى : [قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] {الزُّمر:10} .

وأشدّ أنواع الصبر هو الصبر على اجتناب الحرام.

فعليك أخي المؤمن بالثبات على كل الأعمال التي من شأنها أن تساعدك على ترك الحرام وعلى الثبات على طاعة الله ومن ذلك صحبة الصالحين والثبات على حضور مجالس علم الدين وزيارة المرضى والمبتلين وزيارة القبور والإكثار من ذكر الموت فإن هذا يساعدك بإذن الله على ترك المعاصي .

يا أيها المعدودُ أنفاسُه     لا بد من يومٍ بلا ليلةٍ

لا بد يومًا أن يتم العدد   وليلةٍ تأتي بلا يوم غد

هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية:

قصة دينار العيار

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله.

اما بعد عباد الله، أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله العلي العظيم  القائل في محكم التنْزيل : [ فَوَرَبِّّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ]   (سورة الحجر/ 92-93 )

يحكى أن رجلا كان يعرف بدينار العيار، وكان له والدة صالحة تعظه وهو لا يتعظ، فمرّ في بعض الأيام بمقبرة فأخذ منها عظما تفتت في يده ففكر في نفسه. وقال ويحك يا دينار كأني بك وقد صار عظمك هكذا رفاتا، والجسم ترابا فندم على تفريطه وعزم على التوبة ورفع رأسه إلى السماء لأنها قبلة الدعاء ليس لأن الله يسكن فيها، الله لا يحتاج للسماء ولا لغيرها الله موجود بلا مكان، رفع رأسه وقال إلهي وسيدي ألقيت إليك مقاليد أمري فاقبلني وارحمني ، ثم أقبل نحو أمه متغير اللون منكسر القلب فقال: يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده ، قالت يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يديه وقدميه. فقال أريد جبة من صوف وافعلي بي كما يفعل بالعبد الآبق، ففعلت به ما أراد، فكان إذا جنّ عليه الليل (أي دخلَ عليهِ الليلُ) أخذ في البكاء الشديد ويقول لنفسه ويحك يا دينار، ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟ ولا يزال كذلك إلى الصباح، فقالت أمه: يا بني ارفق بنفسك. قال: دعيني أتعب قليلا لَعَلِّي أستريح طويلا ، يا أماه إن لي غدًا موقفا طويلا بين يدى ربٍّ جليل ، ولا أدري أيؤمر بي إلى ظل ظليل ، أو إلى شر مقيل. قالت: يا بني خذ لنفسك راحة، قال: لست للراحة أُطْلَبُ، كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار مع أهلها. فتركته وما هو عليه فأخذ في البكاء والعبادة وقراءة القرءان فقرأ بعض الليالي [ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [

ففكر في هذه الآية العظيمة [ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ] . وجعل يبكي حتى غُشِيَ عليه فجاءت أمه إليه فنادته فلم يجبها فقالت له يا حبيبي وقرة عيني أين الملتقى؟

فقال بصوت ضعيف: يا أماه إن لم تجديني في مواقف يوم القيامة فاسألي مالكا خازن النار عني ثم شهق شهقة فمات رحمه الله تعالى. فغسّلته أمه وجهّزته وخرجت تنادي أيها الناس هلُمُّوا إلى الصلاة على قتيل النار، (أي على الذي كان يخافُ على نفسه من عذاب النار) فجاء الناس من كل جانب فلم يُرَ يومٌ أكثرَ جَمْعًا ولا أغزَرَ دمعا من ذلك اليوم. فلما دفنوه نام بعض أصدقائه تلك الليلة فرآه يتبختر (يمشي) في الجنة وعليه حُلّةٌ خضراءُ وهو يقرأ الآية: [ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ]  ويقول: وعزته وجلاله سألني ورحمني وغفر لي وتجاوز عني ، ألا أخبروا عني أمي .

اللهم اغفر لنا وسامحنا واعف عنا واجعل القرءان ربيع قلوبنا ونورا لأبصارنا وجوارحنا يا رب العالمين.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ  [إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا] اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: [يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد]، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

 

 

 

< Previous Post

إِسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ وَأَحْكَامُ الصِّيَامِ

Next Post >

التـوبــة إلى الله

Darulfatwa

35 Brancourt Ave,
Bankstown NSW 2200

P: +612 9793 3330
F: +612 9793 3103
info@darulfatwa.org.au

Darulfatwa World Map