فضل عيادة المريض

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له، ولا ضِدّ ولا نِدّ له، سبحانك اللهم إنا نوحدك ولا نحدُّك. ونؤمن بك ولا نكيفك. ونعبدك ولا نشبهك. ونعتقد أن من شبهك بخلقك ما عرفك. وأشهد أنّ سيّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، صلّى الله وسلّم عليه وعلى كلِّ رسول أرسله.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ القدير القائل في كتابه:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ“، وقال سبحانه: “وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا“.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إلاّ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنّةِ وَمَنْ أتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونُ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنّةِ“. اهـ رواه أبو داود والحاكم.

وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّىَ يَرْجِعَ“. رواه مسلم، وفي رواية عند مسلم: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ“. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: “جَنَاهَا“. اهـ أي: يؤول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثمارها.

وروى مسلم في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَينِ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (أي من الماء الَّذي يتوضَّأ به)، فَأَفَقْتُ. اهـ

هذا الحديث فيه فضيلة عيادة المريض، وفيه: التَّبرُّك بآثار الصَّالحين، وفضل طعامهم وشرابهم ونحوهما، وفضل مؤاكلتهم، ومشاربتهم ونحو ذلك، وفيه: ظهور آثار بركة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنهما قال: أمرنا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بعيادة المريض، واتباع الـجِـنازة، وتشميت العاطس، وإبرار الـمُقْسِم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. اهـ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

إخوة الإسلام، إن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه في أول خُطبَتِنا دعوةً للتضامن والتآلف والتوادّ فالمسلم الذي يعود مريضا مسلِما ممسيا أى في المساء وهو ما بعد غروب الشمس خرج معه سبعون ألف ملَك يستغفرون له حتى يصبح ويكون له مخرفةٌ أى بستان في الجنة ومَن خرج لزيارة المريض صباحا أي بعد الفجر خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي ويكون له بستان في الجنة، فمن بكّر في عيادة المريض المسلم كان ثوابُه أعظمَ، فإن عاده بعد طلوع الشمس كان ذلك أكثرَ فائدةً ونفعًا له مما لو زاره بعد الظهر، لأن الملائكة يخرجون معه من وقت خروجه لعيادة هذا المريض المسلم ويستغفرون له إلى ءاخر النهار، وكذلك من يريد أن يعود المريض بعد المغرب فإنه إذا بَكّر يكون أكثرَ ثوابًا مما لو خرج بعد ثلاث ساعات أو ساعتين من غروب الشمس. ومما يكسِبه المسلمُ بعيادة أخيه المسلمِ المريض أنّ الله تبارك وتعالى يجعلُ له بستانا في الجنة، والبستان في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فما من شجرة في الجنة إلا وساقها من ذهب وثمارها غير مقطوعة ولا ممنوعة إلى أبد الآبدين. فبهذه الحسنة يا أخي المسلم أي عيادةِ المريض المسلم يُعطِي الله سبحانه المسلمَ الذى عاد أخاه المريض هذا الثواب العظيم لكن بشرط أن تكون عيادتُه خالصةً لوجه الله تعالى أى أن ينوِيَ عندما يعود أخاه المريضَ المسلم أنه يعوده لله تعالى أى ابتغاء مرضاة الله، وأما من كان يعود المريض ويقول في نفسه ” أنا أزوره الآن حتى يكافئني فيما بعد إذا تعافى ” فلا تكون عيادته هذه لله تعالى، وكذا الذى يعود المريض ليقال عنه ” فلان يحفظ الود والعهد ” فإنه لا ثواب له في هذا بل عليه إثم الرياء وهو إثمٌ كبير.

إخوة الإيمان: عيادة المريض سنَّة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه، ومن لا يعرفه.

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من آداب زيارة المريض، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “تمَامُ عِيادَةِ الـمـَرِيضِ أنْ يَضَعَ أحَدُكُمْ يَدَهُ على جَبْهَتِهِ أوْ على يَدِهِ فَيَسألَهُ كَيْفَ هُوَ“. اهـ هذا لفظ الترمذي.

وفي رواية ابن السني “مِنْ تَمَامِ العِيادَة أنْ تَضَعَ يَدَكَ على الـمَرِيضِ فَتَقُولَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ أوْ كَيْفَ أَمْسَيْتَ“. اهـ

وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة المعوذتين والفاتحة على المريض، وإن كان القرآن كله شفاء. كما قال الله عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ[الإسراء:82].

روى البخاري ومسلم، عن عائشة رضي اللّه عنها:أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفّيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيها: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ} و{قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ} و{قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاس} ثم يمسحُ بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاثَ مرات، قالت عائشة: فلما اشتكى ( أي مرض) كان يأمرني أن أفعل ذلك به.

وفي رواية في الصحيح: أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان ينفُث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوّذات، قالت عائشة: فلما ثَقُلَ كنتُ أنفثُ عليه بهنّ وأمسحُ بيد نفسه لبركتها، وفي رواية: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفثُ. قيل للزهري أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: كان ينفثُ على يديه ثم يمسحُ بهما وجهه.

قال أهل اللغة: النفْث: نفخ لطيف بلا ريق.اهـ ويقال: نَفَثَ يَنْفُثُ ويَنْفِثُ.

وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْـخُدْرِيّ رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ. فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ، أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، وفي رواية: فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ فَبَرَأَ. ثم أخبروا النبيَّ بذلك فأقرهم، وقال: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ. اهـ

قوله: (وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفِلُ) هو بضمِّ الفاء وكسرها، والتَّفْل: نَفْخ معه أدْنَى بُزاقٍ.

وأما الأدعية من السنة فكثيرة منها:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ: أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا. اهـ رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.

وعن أبي عبد اللَّه عثمانَ بن أبي العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أنه شكا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وجعًا يـجده في جسده، فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: “ضع يدك على الذي يألمُ من جسدك وقل: بسم اللَّه ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة اللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر“. رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: مَنْ عادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أجَلُهُ فَقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أسألُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ أنْ يَشْفِيكَ، إلاَّ عافاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالى مِن ذلِك المَرَضِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال الحاكم حديث صحيح على شرط البخاري.

وروى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة، عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه؛ أن جبريل أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال: “يا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ قال: نَعَمْ، قال: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أو عَيْنٍ حاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ” قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وجاء في الحديث الصحيح الذي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه: أن من قال في مرضه: لا إله إلا اللَّه والله أكبر، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، لا إله إلا اللَّه له الـملك وله الحمد، لا إله إلا اللَّه ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم مات لم تَـطعمْه النار. اهـ

أخي المسلم اشكُرِ الله على نعمة الإسلام وعلى بعثة محمد خير الأنام واسأله سبحانه وتعالى أن يجعلك من المقبلين على الخيرات المبادرين إلى الطاعات والمبرَّات إنه سميعٌ مجيب.

اللهمّ حسّن أحوالنا واختم بالصالحات أعمالنا واجعلنا من الفائزين الغانمين في الآخرة يارب العالمين.         

  هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

شاهد أيضاً

التوكُّلُ على اللهِ والتحذيرُ من الكَهَنَةِ والعرَّافينَ

التوكُّلُ على اللهِ والتحذيرُ من الكَهَنَةِ والعرَّافينَ إنَّ الحمدَ لله نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ ونشكرُهُ، ونعوذُ …