الرئيسية / مناسبات إسلامية / عاشوراء / عاشوراء في الإسلام

عاشوراء في الإسلام

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، نحمده سبحانه وتعالى فإنه لم يزل حليما غفورا، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادةً نكون بها يوم الحساب بإذن الله تعالى ممن ينقلبُ إلى أهله مسرورا، ونشهد أن سيدَنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمدا عبدُه ورسوله وحبيبُه ومصطفاه الذي انجلت محاسِنُه شموسا وبدورا، صلى الله عليه وسلم وعلى الذين أظهرَ اللهُ بهم دينَه من الأنبياء وجزاهم بما صبروا جزاءً مَوْفورا.

 أما بعد فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائلِ في محكم كتابه: ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.

 وقد أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ أَفْضَلُ الصَّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ“.

 هذا الحديث صريح في أن أفضلَ ما تُطوعَ به من الصيام بعد رمضان صومُ شهر الله المحرم. سيما عاشوراء، وهو يوم العاشر منه، وهو له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم السلام وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام.

 ففي مسند الإمام أحمد: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: ” مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟ ” قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ”، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ.اهـ

 وفي صحيح البخاري: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ.اهـ

 وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: وَسُئِلَ – أي رسول الله – عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: “يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيةَ“. وفي لفظ: وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَىَ اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ.اهـ

 ويسن أيضا صيام تاسوعاء، وهو تاسع المحرم لقوله صلى الله عليه وسلم: “لَئِنْ بَقِيتُ إِلَىَ قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ” رواه مسلم. ولكن مات رسول الله قبله.

 بل نصّ الإمام الشافعيُ رضي الله عنه في كتابه الأم وكتابه الإملاء على صوم التاسوعاء والعاشوراء والحادي عشر.

 إخوةَ الإيمان، إن العاشرَ من المحرّم، أي يومَ عاشوراء، مَليءٌ بالخيرات والفضائل والحوادث والعبر والصبر والدروس، وهو مشهورٌ عند الأواخر والأوائل، في يومِ عاشوراءَ تابَ الله تعالى على سيدِنا ءادمَ عليه السلام، وفي يومِ عاشوراءَ نجَّى الله سيدَنا نوحا عليه السلام وأنزله من السفينة محفوفًا بالنصر، وفي يومِ عاشوراءَ أنقذَ اللهُ تعالى سيدَنا إبراهيمَ عليه السلام من النُّمرود، وفي يومِ عاشوراءَ ردَّ اللهُ سيدَنا يوسفَ على سيدِنا يعقوبَ عليهما السلام، وفي يومِ عاشوراءَ أظهرَ اللهُ سيدَنا موسى عليه السلامُ على فرعونَ الطاغيةِ الظالمِ، وفلَقَ اللهُ لسيدِنا موسى ولبني إسرائيلَ البحر، وفي يوم عاشوراء أعطى الله الملك لسليمان عليه السلام، وفيه أُخرجَ سيِّدُنا يونُسُ عليه السلام من بطنِ الحوتِ، وفيه كُشِفَ ضُرُّ سيدِنا أيوبَ عليه السلام، وفيه حصلت غزوةُ ذاتِ الرِّقاع، وفي يوم عاشوراءَ في يوم الجمُعةِ في سنةِ إحدى وسِتين من الهجرةِ، كانتِ الفاجعةُ التي ألـمّتْ بالمسلمين بمقتلِ سِبْطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، بمقتلِ أبي عبدِ الله الحسينِ بنِ عليٍ حفيدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ابنِ بِـنْتِهِ فاطمةَ رضي الله عنهما، على أيدي فئةٍ ظالمةٍ فماتَ الحُسينُ شهيدا، وهو ابنُ سِتٍّ وخمسينَ سنةً وهو الذي قال فيه جدُّه صلى الله عليه وسلم وفي أخيه:”الحسنُ والحسينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنّة” رواه الترمذيُّ وأحمدُ والطبرانيّ. وقال:” حسين منِّي وأنا من حسين” أي محبتي له كاملةومحبتُه لي كاملة.

 وليعلم أنّ ما حصل لسيدنا الحسين عليه السلام هو سنة الله في الدعاة إلى دينه، فهذا سيدنا نوح عليه السلام يدعو قومه إلى ما فيه خيرهم وصلاح دنياهم وءاخرتهم، يدعوهم إلى عبادة الله الواحد، وترْكِ الإشراك به تسعمائة وخمسين سنة، فيُضرب بالحجارة ويُشدخُ رأسُه بالصخر حتى يحمل مغشيا عليه ولا يؤمنُ به إلا نحو ثمانين شخصا، وسيدنا إبراهيم عليه السلام يرمى في النيران، والنار تكون بردا وسلاما عليه، ويحيى عليه السلام يُقطع رأسه، وزكريا عليه السلام يُنشر بالمنشار، وموسى يَكيد له الطاغيةُ فرعون وينكِّلُ بمن ءامن به، وسيدنا عيسى عليه السلام يريدون صلبه على الألواح، [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ] {النساء:157}، وها هو خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يُبعث في قوم يعبدون الأصنام والأوثان وتلهو بهم الشياطين، فيدُلّـهم على ما فيه فلاحهم وخلاصهم من غياهب الجهل ويقول لهم ” قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” فيُرمى بالحجارة حتى يسيلَ الدم من قدميه الطاهرتين، ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “اللهم إن لم يكن بك سخط عليَّ فلا أبالي “، ويُقتل ءالُ ياسر لإيمانهم بمحمد، وبلال يُضرب وسط الصحراء ويُوضَعُ الصخرُ على صدره وهو يقول: ” أَحدٌ أحدٌ” فيقول له المشركون ” ألا تعرف غيرَ هذه الكلمة ” فيجيبهم بقلب ثابت: ” لو كنتُ أعرفُ كلمةً تغيظكم أكثر منها كنتُ قلتها ” وذلك لما فيها من توحيد الله وتنزيهه عن الشريك والشبيه والمثيل والند والنظير، ويخرج المؤمنون من ديارهم، وتُدَك بيوتهم وتُسلَب أموالهم، وفي غزوة أحد، يُقتل عمُّ رسول الله سيدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب صياد الأسود ويُقتلَعُ كبدُه من جسده.

وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يُقتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرءان،وهذا عثمان ذو النورين يُقتل وهو محصور في داره،وهذا عليّ المرتضى يُقتل وهو خارج إلى صلاة الفجر.

 نعم إنها سنةُ الله في الدعاة إلى دينه، وفي هذا المقام لا بد من التنبيه إلى أمر عظيم، ألا وهو أنّ من ناصر الحقَّ، وكان في صفِّه ومعه، هو المنصور حقا، وإن ظُلِم وقتل، وإن نُكل به ولو قُطّعَ أجزاءً صغيرة، فهو الرابح الفائز على الحقيقة، وأنّ مَن جانبَ الحقّ وعادى أهلَه هو الخاسر المخذول.

 ومن هنا نقول أيضا إن أبا عبد الله الحسين عليه السلام ما خرج إلا ليطلب الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يخرج أشرا ولا بطرا، فقُتِل عليه السلام مظلوما، ومنعوه أن يرِدَ الماءَ فيمن ورد، وأن يرحل عنهم إلى بلد، وسبَوا أهلَه وقتلُوا الولد.

 إنه الحسينُ، إنه الحسينُ الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ حبِّه يُقبِّلُ شفتيه، ويحملُه كثيرا على عاتقيه، فلو رءاه مُلقًى على أَحَدِ جانبيه، والسيوفُ تأخذُه، والأعداء حواليه، والخيل قد وطئت صدرَه، ومشت على يديه، ودماؤه تجري بعدَ دموعِ عينيه، لغضب الرسولُ من ذلك ولعزَّ عليه.

 إنه الحسين الذي ورد فيه أَنَّ مَلَكَ الْمَطَرِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «امْلِكِي عَلَيْنَا الْبَابَ، لَا يَدْخُلْ عَلَيْنَا أَحَدٌ»، وَجَاءَ الْحُسَيْنُ لِيَدْخُلَ فَمَنَعَتْهُ، فَوَثَبَ فَدَخَلَ فَجَعَلَ يَقْعُدُ عَلَى ظَهَرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى مَنْكِبِهِ، وَعَلَى عَاتِقِهِ، فَقَالَ الْمَلَكُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُحِبُّهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: أَمَا إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ الْمَكَانَ الَّذِي يُقْتَلُ فِيهِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَجَاءَ بِطِينَةٍ حَمْرَاءَ، فَأَخَذَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ فَصَرَّتْهَا فِي خِمَارِهَا. قَالَ ثَابِتٌ البناني: «بَلَغَنَا أَنَّهَا كَرْبَلَاءُ».اهـ

 ونتذكر في هذه المصيبة ما رواه الإمام أحمد بإسناده عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ، وَلا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ، فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا، (إنا لله وإنا إليه راجعون) إِلا جَدَّدَ اللهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا ” وأخرجه ابن ماجه، وأبو يعلى، وابن حبان وغيرهم.

 نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 هذا وأستغفر الله لي ولكم.